صحة

الكبدة وفيتامين أ أثناء الحمل.. بين مخاطر الإفراط وأهمية التغذية المتوازنة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تبدأ رحلة الحمل لدى كثير من النساء وسط مشاعر القلق والترقب، وترافقها قائمة طويلة من النصائح والمحاذير الغذائية، يستند جانب كبير منها إلى الموروثات المتناقلة بين الأمهات والجدات. ومع تزايد احتياجات الجسم إلى الفيتامينات والمعادن خلال نمو الجنين، تحظى التغذية باهتمام واسع، ولا سيما في المجتمعات العربية والبلدان النامية.

لكن التقدم العلمي دفع كثيرا من هذه النصائح التقليدية إلى دائرة البحث والتحقق، بهدف التمييز بين التوصيات المدعومة بالأدلة والمعتقدات التي قد تحرم الحامل من عناصر غذائية ضرورية لصحتها ونمو جنينها.

ممنوعات غذائية تختلف من بلد إلى آخر

تتباين المحاذير الغذائية المفروضة على الحوامل بين المجتمعات. ففي جنوب أفريقيا، تُدرج بعض الموروثات اللحوم والأسماك والبطاطا والفواكه والبيض والقرع ضمن الأطعمة التي ينبغي تجنبها أثناء الحمل، بينما تمتد هذه المحاذير في إثيوبيا إلى مشتقات الألبان والخضراوات والعسل والفواكه.

وفي بعض المجتمعات الآسيوية، تنتشر توصيات بتجنب أطعمة غنية بالحديد أو الكربوهيدرات أو البروتينات الحيوانية، رغم تزايد احتياجات الجسم إلى عدد من هذه العناصر خلال الحمل. وتُعد الكبدة مثالا بارزا على ذلك، إذ تمتنع نساء كثيرات عن تناولها خوفا من تأثيرها المحتمل في الجنين، وقد ينتاب بعضهن القلق إذا تناولنها قبل اكتشاف الحمل.

وهنا تبرز تساؤلات مهمة: لماذا يُنصح بتجنب الكبدة خلال الحمل؟ وما مدى ارتباطها بالتشوهات الجنينية؟ وكيف يمكن للحامل الحصول على احتياجاتها من فيتامين أ دون تعريض نفسها أو جنينها للمخاطر؟

لماذا يُنصح بتجنب الكبدة أثناء الحمل؟

تحتوي كبدة الدجاج والأبقار والماعز على كميات مرتفعة من فيتامين أ في صورته النشطة، المعروفة باسم «فيتامين أ مسبق التكوين» (Preformed Vitamin A)، وهي صورة يستطيع الجسم امتصاصها والاستفادة منها بسهولة.

ولا يقتصر وجود هذا النوع من الفيتامين على الكبدة، بل يوجد أيضا في بعض المنتجات الحيوانية، مثل الحليب والأجبان والزبدة وصفار البيض، إضافة إلى زيت السمك وزيت كبد الحوت.

وتكمن المشكلة في أن الإفراط في تناول فيتامين أ مسبق التكوين قد يرفع مستوياته في جسم الحامل، وهو ما يرتبط بزيادة خطر حدوث تشوهات خلقية لدى الجنين، وقد يرتبط في بعض الحالات بالإجهاض.

ويتحول فيتامين أ داخل أنسجة الجسم إلى مركبات نشطة، من بينها حمض الريتينويك، الذي يؤدي دورا أساسيا في تنظيم نمو الجنين وتكوين أعضائه. غير أن هذه العملية تتطلب الحفاظ على مستويات دقيقة من المركب، خصوصا خلال الثلث الأول من الحمل، حين تتشكل الأعضاء والأنسجة الرئيسية.

وعندما ترتفع مستويات حمض الريتينويك بصورة مفرطة، قد يعبر المركب المشيمة ويؤثر في النشاط الجيني خلال مراحل حساسة من التطور الجنيني، مما قد يسبب اضطرابات في تكوين بعض الأعضاء.

وقد تشمل التشوهات المحتملة استسقاء الدماغ، واضطرابات نمو الجمجمة والدماغ، وعيوب الأنبوب العصبي، وتشوهات العين والأذن والفكين، إضافة إلى الحنك المشقوق.

وتستند بعض الأدلة المتعلقة بآليات هذه التأثيرات إلى تجارب مخبرية على الحيوانات، أظهرت أن اختلال مستويات فيتامين أ يمكن أن يؤثر في نمو الجنين. لكن ذلك لا يعني أن تناول الكبدة مرة واحدة يؤدي بالضرورة إلى حدوث تشوهات.

لذلك، تركز التوصيات الغذائية على تجنب الكبدة أثناء الحمل بسبب ارتفاع محتواها من فيتامين أ مسبق التكوين، بدلا من الامتناع عن جميع مصادر الفيتامين، مع ضرورة تجنب الإفراط في تناول الأطعمة الغنية به.

أهمية فيتامين أ للأم والجنين

على الرغم من المخاطر المرتبطة بارتفاع مستوياته، فإن فيتامين أ من العناصر الضرورية لصحة الحامل ونمو الجنين. وتكمن المسألة في تحقيق التوازن بين الحصول على الكمية المطلوبة وتجنب الجرعات الزائدة.

يسهم الفيتامين في نمو العينين وتمايز خلاياهما لدى الجنين، كما يشارك في تطور العظام والجلد والأنسجة المبطنة للأعضاء، ويدعم وظائف الجهاز المناعي. وله أيضا دور في تطور الأعضاء التناسلية وأداء عدد من الوظائف الحيوية.

أما لدى الأم، فيساعد فيتامين أ على الحفاظ على الرؤية، خصوصا في ظروف الإضاءة المنخفضة، ويدعم سلامة الأنسجة والمناعة. كما تحتاج الحامل إلى توفير كميات مناسبة منه لدعم نمو جنينها.

ومع ذلك، فإن نقص هذا الفيتامين يمثل مشكلة صحية في مناطق مختلفة من العالم، لا سيما في البلدان النامية بأفريقيا وجنوب وجنوب شرق آسيا.

وتشير تقديرات نشرتها منظمة الصحة العالمية عام 2009، استنادا إلى بيانات سابقة، إلى أن نحو 20 مليون امرأة حامل حول العالم كن معرضات لخطر انخفاض مستويات فيتامين أ، فيما عانت قرابة 7 ملايين امرأة من نقص واضح فيه.

ويرتبط النقص الحاد في الفيتامين بمشكلات صحية، من أبرزها العشى الليلي، الذي يسبب صعوبة الرؤية في الظلام أو الإضاءة الخافتة. وقدرت البيانات نفسها أن هذه الحالة أثرت في نحو 9.8 ملايين امرأة حامل من بين المعرضات لخطر انخفاض مستويات الفيتامين.

وتبرز هذه الأرقام أهمية التوعية بالتغذية السليمة خلال الحمل، بحيث لا تتحول التحذيرات من الإفراط في تناول بعض الأطعمة إلى سبب للحرمان من العناصر الضرورية.

كيف تعوض الحامل احتياجاتها من فيتامين أ؟

يتطلب التعامل مع فيتامين أ أثناء الحمل اتباع نهج متوازن، فلا يُنصح بالامتناع عن جميع مصادره، ولا بتناول الأطعمة الغنية به أو المكملات الغذائية بكميات كبيرة دون توجيه طبي.

وينبغي توعية النساء بمصادر الفيتامين واحتياجات الجسم منه، مع مراعاة الفروق بين صور فيتامين أ ومقاديرها في الأغذية والمكملات.

ويوصي المختصون عادة بالحصول على الاحتياجات اليومية من خلال نظام غذائي متنوع، مع تجنب الكبدة وزيت كبد الحوت والمكملات التي تحتوي على جرعات مرتفعة من فيتامين أ مسبق التكوين، ما لم يقرر الطبيب خلاف ذلك بناء على تقييم الحالة.

ويمكن توفير الفيتامين من مصادر غذائية مناسبة، منها الخضراوات والفواكه الغنية بالكاروتينات، مثل الجزر والبطاطا الحلوة والقرع والخضراوات الورقية. ويحوّل الجسم جزءا من هذه المركبات إلى فيتامين أ بحسب حاجته، وهي تختلف عن فيتامين أ مسبق التكوين الموجود في الكبدة وبعض المنتجات الحيوانية.

وتبلغ الكمية اليومية الموصى بها للمرأة الحامل التي يتراوح عمرها بين 19 و50 عاما نحو 770 ميكروغراما من مكافئ نشاط الريتينول (RAE). وتختلف الاحتياجات بحسب العمر والحالة الصحية، بينما قد تتطلب حالات النقص الشديد تدخلا طبيا خاصا، ولا ينبغي التعامل معها بتناول جرعات مرتفعة من المكملات بصورة ذاتية.

وفي المحصلة، لا يتمثل الهدف في حرمان الحامل من فيتامين أ، بل في الحصول على الكمية المناسبة من مصادر آمنة ومتنوعة، مع تجنب الإفراط في المصادر الغنية بصورته النشطة، والرجوع إلى الطبيب أو اختصاصي التغذية لتحديد الاحتياجات الفردية أثناء الحمل.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى