تدخل واشنطن لدعم الين يثير قلق أوروبا ويكشف تصدعا في التنسيق النقدي

أثار التدخل الأمريكي الأخير لدعم الين الياباني مخاوف داخل الأوساط المالية الأوروبية، ليس بسبب تأثير العملية على سوق العملات فحسب، وإنما بسبب الطريقة التي نفذتها بها واشنطن، بعدما باعت وزارة الخزانة الأمريكية جزءا من احتياطاتها المقومة باليورو لشراء الين، دون إبلاغ البنك المركزي الأوروبي مسبقا.
وتعتبر أوساط أوروبية أن هذه الخطوة تمثل خروجا غير معتاد عن تقاليد التنسيق النقدي التي أرستها الاقتصادات الغربية على مدى عقود، وتحديدا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما أصبحت التشاورات المسبقة بين السلطات النقدية جزءا أساسيا من إدارة أسواق الصرف العالمية.
أوروبا فوجئت بالعملية الأمريكية
وكشفت تقارير صحفية، نقلا عن مسؤولين مطلعين، أن البنك المركزي الأوروبي لم يعلم بالتدخل الأمريكي إلا بعد تنفيذه، عندما أجرت رئيسة البنك كريستين لاغارد اتصالا بوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في اليوم التالي للعملية.
وكان بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك قد نفذ الصفقة بالفعل نيابة عن وزارة الخزانة الأمريكية، في خطوة اعتبرها مسؤولون أوروبيون سابقة في العلاقات النقدية بين الجانبين.
ويكمن القلق الأوروبي في أن التدخلات في أسواق العملات الرئيسية كانت عادة ما تسبقها اتصالات وتنسيق بين البنوك المركزية، لتفادي إرباك الأسواق أو إرسال إشارات متناقضة بشأن توجهات السياسات النقدية.
واشنطن تبرر قرارها
في المقابل، أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أنها لا تتشاور مع السلطات الأجنبية بشأن قرارات توزيع الاحتياطيات الموجودة في صندوق استقرار الصرف، الذي استخدم في تنفيذ العملية.
وأوضحت الوزارة أن قرارات تخصيص أصول الصندوق تقع ضمن صلاحيات الخزانة الأمريكية، مع الاستناد إلى تقييماتها الخاصة وإلى تقديرات الاحتياطي الفدرالي المتعلقة بسيولة الأسواق وغيرها من العوامل الاقتصادية والمالية.
وأضافت أن الخزانة أعادت توزيع جزء من أصولها الاحتياطية داخل الصندوق خلال الأسبوع الماضي، في إطار إدارة احتياطاتها المالية.
لماذا باعت أمريكا اليورو بدلا من الدولار؟
أثار اختيار اليورو كأداة لتمويل التدخل الأمريكي تساؤلات إضافية، إذ كان بإمكان واشنطن بيع الدولار مباشرة لشراء الين، لكنها فضلت التخلص من جزء من احتياطاتها المقومة بالعملة الأوروبية.
ويرى محللون أن القرار ربما استهدف تجنب إعطاء الأسواق انطباعا بأن الولايات المتحدة تسعى إلى إضعاف الدولار، وهو توجه يتعارض مع السياسة التي يتبناها وزير الخزانة سكوت بيسنت، والتي تميل إلى الحفاظ على قوة العملة الأمريكية.
كما أن استخدام اليورو قد يكون ساعد واشنطن وطوكيو على الحد من الضغوط المحتملة على سوق سندات الخزانة الأمريكية. فبيع الدولار بكميات كبيرة كان يمكن أن يدفع اليابان إلى بيع جزء من حيازاتها الضخمة من السندات الأمريكية لتمويل عمليات دعم الين، وهو ما كان قد يؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات في وقت وصلت فيه بالفعل إلى مستويات مرتفعة.
اليابان تبحث عن بديل لتجنب بيع السندات
وفي ضوء هذه الاعتبارات، أشارت وزارة المالية اليابانية إلى إمكانية اللجوء مستقبلا إلى آلية إعادة الشراء التابعة للاحتياطي الفدرالي الأمريكي، التي تتيح للبنوك المركزية الأجنبية الحصول على السيولة بالدولار مقابل تقديم سندات الخزانة الأمريكية كضمان.
وتسمح هذه الآلية لليابان بالحصول على الدولار اللازم للتدخل في سوق الصرف دون الاضطرار إلى بيع السندات الأمريكية في السوق المفتوحة، الأمر الذي يقلل من مخاطر زيادة الضغوط على عوائد الديون الأمريكية.
ويرى خبراء أن اللجوء إلى مثل هذه الآليات يعكس حساسية الوضع الحالي في أسواق السندات، خصوصا مع استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم والدين الحكومي الأمريكي.
مخاوف من تراجع التعاون بين الاقتصادات الكبرى
وقال جيمس تيرنر، مدير إدارة الدخل الثابت لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة بلاك روك، إن الواقعة تعكس اتجاها نحو تراجع مستوى التعاون بين الدول، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية وحالة عدم اليقين الاقتصادي.
وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما إلى أعلى مستوياتها منذ نحو 19 عاما، وسط استمرار القلق من الضغوط التضخمية وارتفاع مستويات الاقتراض الحكومي الأمريكي.
وتجعل هذه التطورات المستثمرين أكثر حذرا تجاه السندات الحكومية طويلة الأجل، في ظل ارتفاع علاوة المخاطر المرتبطة بالديون السيادية واستمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية والمالية.
تدخل قوي رفع الين من أدنى مستوياته
وجاء التدخل الأمريكي الياباني المشترك بعد تراجع الين إلى أدنى مستوى له منذ عام 1986، في أول عملية من هذا النوع بين واشنطن وطوكيو منذ نحو ثلاثة عقود.
وأسهم التدخل في دفع الين إلى ارتفاع حاد أمام الدولار، بعدما تراجع سعر الدولار من نحو 164 ينا إلى قرابة 157 ينا، قبل أن يستعيد جزءا من مكاسبه ويستقر قرب مستوى 158 ينا.
لكن هذا التحسن لا يعني بالضرورة أن الاتجاه الضعيف للين قد انتهى، إذ يرى محللون أن تأثير التدخل قد يكون مؤقتا ما لم تدعمه سياسة نقدية يابانية أكثر تشددا.
وتتوقع الأسواق حاليا احتمالا يقترب من 50% لرفع بنك اليابان أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقرر في سبتمبر/أيلول المقبل، وهو ما قد يوفر دعما إضافيا للعملة اليابانية إذا تحقق.
87 مليار دولار لدعم العملة اليابانية
وتشير تقديرات مبنية على بيانات أولية لبنك اليابان إلى أن السلطات اليابانية ربما أنفقت نحو 13.8 تريليون ين، أي ما يعادل قرابة 87 مليار دولار، خلال يومين فقط لدعم الين.
وبينما نجحت العملية في إحداث تحرك سريع في سوق الصرف، فإن استمرار تأثيرها سيعتمد على مدى استعداد اليابان لاتخاذ إجراءات نقدية أوسع، وعلى قدرة واشنطن وطوكيو على مواصلة التدخل إذا تعرضت العملة لضغوط جديدة.
وتضع هذه التطورات الأسواق العالمية أمام اختبار يتجاوز مستقبل الين، إذ تثير تساؤلات أوسع بشأن مستقبل التنسيق بين القوى الاقتصادية الكبرى، ومدى قدرة النظام النقدي العالمي على الحفاظ على آليات التعاون التقليدية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد الضغوط المالية.









