كولومبيا أمام اختبار اقتصادي صعب بعد فوز اليمين في الانتخابات الرئاسية

لم يكن فوز مرشح اليمين أبيلاردو دي لا إسبرييلا في الانتخابات الرئاسية الكولومبية مجرد انعكاس للتحولات السياسية التي تشهدها أمريكا اللاتينية، بل جاء أيضا نتيجة تراكم ضغوط اقتصادية عززت قناعة شريحة واسعة من الناخبين بأن النموذج الاقتصادي القائم لم يعد قادرا على جذب الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام.
ورغم أن حكومة الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو نجحت في تحسين عدد من المؤشرات الاجتماعية، بينها انخفاض معدلات البطالة والفقر، فإن الاقتصاد الكولومبي ظل يتحرك بوتيرة محدودة، بالتزامن مع تراجع الاستثمار واتساع العجز المالي وارتفاع تكلفة الاقتراض.
كما ساهمت المخاوف الأمنية وعدم وضوح السياسات الاقتصادية في زيادة حالة عدم اليقين لدى قطاع الأعمال والمستثمرين، لتتحول القضايا الاقتصادية إلى عامل حاسم في تحديد توجهات الناخبين خلال الانتخابات الأخيرة.
وجاء فوز دي لا إسبرييلا على مرشح اليسار إيفان سيبيدا بفارق يقارب 250 ألف صوت فقط في جولة الإعادة التي جرت في 21 يونيو/حزيران، بما يعكس حجم الانقسام السياسي والاجتماعي في البلاد، ويضع الاقتصاد في مقدمة الملفات التي ستحدد مدى قدرة الرئيس الجديد على الحفاظ على الدعم الذي أوصله إلى السلطة.
تحول في أولويات الناخبين
اختار نحو نصف الناخبين مرشحا قدم برنامجا يقوم على تقليص حجم الدولة، وإعادة فتح قطاعي النفط والغاز أمام الاستثمارات، وخفض الضرائب، إلى جانب تبني سياسة أمنية أكثر تشددا.
ويكشف هذا التصويت عن فجوة بين التحسن الذي سجلته بعض المؤشرات الاجتماعية وبين نظرة قطاعات واسعة إلى مستقبل الاقتصاد، إذ لم تعد معدلات البطالة والفقر وحدها معيارا لتقييم الوضع المعيشي، بل أصبحت جودة الوظائف، وتكاليف الاقتراض، ومستوى الاستثمار، والاستقرار المالي للدولة عوامل أكثر تأثيرا في المزاج العام.
نمو اقتصادي دون الطموحات
تدخل كولومبيا مرحلة انتقال سياسي بعدما تمكن اقتصادها من تجنب ركود حاد كان يخشاه المستثمرون عقب وصول بيترو إلى الرئاسة عام 2022، إلا أن البلاد لم تتمكن من العودة إلى معدلات النمو التي سجلتها في العقد السابق.
وتشير تقديرات وكالة فيتش للتصنيف الائتماني إلى أن الاقتصاد الكولومبي نما بمتوسط سنوي بلغ نحو 2.5% خلال الفترة بين 2019 و2025، مقارنة بمعدلات تراوحت في مراحل سابقة بين 3.5% و4%.
واعتمد جانب مهم من هذا النمو على الاستهلاك والتحويلات الحكومية وزيادة الحد الأدنى للأجور، في حين ظل الاستثمار يمثل نقطة ضعف رئيسية في الاقتصاد.
فقد انكمش الاستثمار بمتوسط 1.6% خلال الفترة نفسها، لتتراجع مساهمته إلى نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل حوالي 21% في السابق، وسط مخاوف لدى الشركات من التدخل الحكومي وعدم استقرار السياسات الاقتصادية.
ويرى وزير المالية الكولومبي السابق والخبير الاقتصادي خوسيه أنطونيو أوكامبو أن الاستثمار استقر عند مستويات منخفضة تقارب 17% من الناتج، مقارنة بنحو 22% خلال العقد الثاني من الألفية، بالتزامن مع ضعف قطاعي التعدين والإنشاءات وتأخر تعافي الصناعة.
ورغم تحسن النشاط الاقتصادي بعد التباطؤ الحاد الذي شهدته البلاد عام 2023، فإن النمو بقي في حدود 2.5% سنويا، الأمر الذي يجعل هدف دي لا إسبرييلا المتمثل في الوصول إلى نمو يبلغ 7% شديد الطموح، في حين يبدو تحقيق معدل يقارب 4% أكثر واقعية على المدى المتوسط.
تحسن البطالة والفقر لا يخفي هشاشة سوق العمل
لا تشير البيانات إلى أن البطالة كانت في اتجاه تصاعدي عند إجراء الانتخابات، إذ بلغ معدلها نحو 8% في مايو/أيار 2026، وهو مستوى يعد من بين الأدنى الذي سجلته كولومبيا خلال القرن الحالي.
كما شهدت معدلات الفقر تحسنا بعد الارتفاع الذي سجلته خلال جائحة كورونا، بينما تراجع الفقر متعدد الأبعاد إلى أقل من 10% للمرة الأولى، مدفوعا بزيادة الإنفاق الاجتماعي والأجور والتحويلات الحكومية.
لكن هذه النتائج الإيجابية لم تمنع استمرار المخاوف المتعلقة بجودة سوق العمل واستدامة التحسن الاقتصادي.
ويرتبط جزء من تحسن التوظيف بزيادة الوظائف الحكومية، في حين ظل الاقتصاد غير الرسمي يمثل نحو نصف الوظائف في المدن وأكثر من أربعة أخماس الوظائف في المناطق الريفية، وهو ما يكشف عن هشاشة هيكلية في سوق العمل.
كما شهد الحد الأدنى للأجور ارتفاعا كبيرا تجاوز 40% بالقيمة الدولارية خلال السنوات الأخيرة. وبينما ساهم ذلك في تحسين دخول العمال، فإنه رفع في الوقت نفسه تكاليف الشركات، وضغط على القطاعات التي تعتمد على التصدير أو تنافس المنتجات المستوردة.
التضخم يرفع تكلفة الاقتراض
أدى ارتفاع الأجور، إلى جانب عوامل أخرى، إلى عودة الضغوط التضخمية، وهو ما دفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة بنحو 3 نقاط مئوية.
وكان لهذا القرار تأثير مباشر على تكلفة الائتمان بالنسبة للأسر والشركات، في وقت كانت فيه الاستثمارات الخاصة بحاجة إلى بيئة تمويل أكثر ملاءمة.
وبالتالي، لم يعد الاستياء الاقتصادي لدى قطاعات من المجتمع مرتبطا فقط بمعدلات البطالة، وإنما أصبح مرتبطا أيضا بارتفاع تكلفة المعيشة والتمويل، وضعف الوظائف المستقرة، وتراجع الاستثمارات، إضافة إلى المخاوف بشأن قدرة الحكومة على مواصلة الإنفاق الاجتماعي بالمستويات نفسها من دون اللجوء إلى خفض النفقات أو زيادة الضرائب.
عجز مالي يضغط على الحكومة المقبلة
تشكل المالية العامة أحد أكبر التحديات التي تواجه الرئيس المنتخب، بعدما سجل عجز الحكومة المركزية نحو 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، وفقا لتقديرات فيتش.
وترى الوكالة أن تثبيت الدين العام يتطلب تعديلا ماليا يعادل نحو 4% من الناتج، في ظل صعوبة تقليص الإنفاق المرتبط بالتقاعد والرعاية الصحية والتحويلات المالية إلى الحكومات المحلية.
ويقدر أوكامبو أن كولومبيا تواجه أزمة مالية متزايدة، بعدما تراوح العجز منذ عام 2024 بين 6% و7% من الناتج المحلي، وهي مستويات تعد من الأعلى في تاريخ البلاد وبين اقتصادات أمريكا اللاتينية.
ويرتبط جزء كبير من المشكلة بزيادة النفقات الجارية بنحو 4.4 نقاط مئوية من الناتج مقارنة بمتوسط العقد الماضي، في وقت ظل فيه الاستثمار العام عند مستويات ضعيفة.
الدين العام يضيّق هامش الحركة
أدى ارتفاع العجز إلى تجاوز الدين العام مستوى 60% من الناتج المحلي الإجمالي، مقتربا من أعلى مستوياته التاريخية.
كما ساهم ارتفاع عوائد السندات في زيادة تكلفة تمويل الحكومة، وهو ما يضغط على الموارد التي يمكن توجيهها إلى قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
وفي يونيو/حزيران 2025، فعلت وزارة المالية بند تعليق القاعدة المالية حتى عام 2027، في خطوة أثارت مخاوف بشأن مصداقية السياسة المالية وقدرة الحكومة على إعادة ضبط الحسابات العامة.
ويتوقع المجلس الكولومبي المستقل للقاعدة المالية أن يصل العجز إلى نحو 7.4% من الناتج في 2026، وهو مستوى يتجاوز تقديرات حكومية ودولية تدور حول 5.2%.
كما فقدت كولومبيا تصنيفها الاستثماري لدى وكالتي تصنيف رئيسيتين خلال 2025، بينما خفضت فيتش تصنيف البلاد إلى «بي بي» مع نظرة مستقبلية مستقرة في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
ويشير مركز البحوث الاقتصادية الكولومبي «أنيف» إلى أن استعادة الاستقرار المالي قد تتطلب إصلاحا ضريبيا يوفر نحو 30.2 تريليون بيزو، أي ما يقارب 8.8 مليارات دولار.
برنامج اقتصادي أكثر تشددا
يدخل دي لا إسبرييلا القصر الرئاسي ببرنامج اقتصادي يختلف بصورة واضحة عن سياسات الحكومة السابقة، إذ تعهد خلال حملته بتقليص الجهاز الحكومي بنحو 40%، وإلغاء عدد من الضرائب، وخفض حوالي 700 ألف وظيفة في القطاع العام.
وتضع هذه الوعود الرئيس الجديد أمام معادلة صعبة، تتمثل في محاولة خفض العجز والدين العام واستعادة ثقة المستثمرين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة.
وسيكون تحقيق التوازن بين ضبط الإنفاق وتحفيز الاستثمار أحد أبرز الاختبارات الاقتصادية أمام الإدارة الجديدة، خصوصا في ظل حاجة البلاد إلى زيادة معدلات النمو ورفع الاستثمار الخاص والعام.
وبذلك تتحول الانتخابات التي أوصلت اليمين إلى الحكم إلى بداية اختبار اقتصادي أكثر تعقيدا، إذ سيكون على دي لا إسبرييلا إثبات أن وعود تقليص الدولة وخفض الضرائب وتشجيع قطاعات النفط والغاز قادرة فعلا على إعادة تحريك الاستثمار وتحقيق نمو أعلى، دون التسبب في تراجع المكتسبات الاجتماعية التي استفادت منها قطاعات واسعة من المجتمع.









