البعث والحراطين في موريتانيا: قراءة في المواقف التاريخية والنضال ضد الاستعباد واللامساواة

يمثل هذا الكراس جزءًا من السجل النضالي لحزب البعث العربي الاشتراكي في موريتانيا، ويعرض جانبًا من مواقفه وتحركاته المناهضة لظاهرة الاستعباد والتمييز الاجتماعي، خاصة تجاه فئة الحراطين والمستعبدين. ورغم أن ما يتضمنه لا يعكس سوى جانب محدود من مسار طويل من العمل السياسي والفكري، فإنه يسلط الضوء على أحد أبرز محاور اهتمام الحزب منذ بدايات تشكله الفكري والتنظيمي.
نشأت فكرة الحزب وسط بيئة اجتماعية معقدة، اتسمت بتراكم التفاوتات الاجتماعية وهيمنة أنماط تقليدية من العلاقات غير المتكافئة. وفي مواجهة هذا الواقع، تبنى الحزب خطابًا يقوم على الدفاع عن الفئات المظلومة، وفي مقدمتها المستعبَدون والحراطين، مستندًا إلى مبادئه القومية والاجتماعية، وإلى تصور يعتبر أن تحرير الإنسان شرط أساسي لبناء مجتمع عادل.
ويرى الحزب أن تاريخه في موريتانيا ارتبط منذ البداية بالسعي إلى إنهاء مظاهر الرق والاستعباد التي عانت منها شرائح واسعة من المجتمع. ومع اعترافه بأن ما تحقق من خطوات لا يزال دون مستوى الطموح، فإنه يعتبر أن النضال ضد هذه الظاهرة يجب أن يستمر حتى القضاء الكامل على كل أشكال الاسترقاق والتفاوت الاجتماعي.
ويشير الكراس إلى أن بعض الإنجازات تحققت، من بينها صدور قرارات يوليو 1985 المتعلقة بإلغاء الرق، إلا أن غياب الإرادة السياسية الكافية، وضعف التطبيق العملي، جعلا تلك القرارات تظل محدودة الأثر، وتحولت في كثير من جوانبها إلى مجرد توجيهات أخلاقية تفتقر إلى الإجراءات التنفيذية الحاسمة.
كما يؤكد أن اهتمام الحزب بقضية الرق لم يكن طارئًا، بل شكل محورًا ثابتًا في أدبياته ومواقفه منذ تأسيسه، حيث اعتبر مشكلة العبودية وعدم المساواة جزءًا أساسيًا من معركة التحرر الوطني والاجتماعي، ورفض التكيف مع الأعراف والتقاليد التي تكرّس التمييز أو تمنح الشرعية لاستمرار هذه الظواهر.
ومن هذا المنطلق، يدعو الحزب مختلف مكونات المجتمع الموريتاني إلى الانخراط في جهود مشتركة تهدف إلى تعزيز قيم العدالة والمساواة، مع التركيز بشكل خاص على ضرورة انخراط الحراطين أنفسهم في معركة الوعي والتحرر، من خلال تعميق الإيمان بالمساواة وترسيخ مبادئ الأخوة الإنسانية، انسجامًا مع القيم العربية والإسلامية.
نواكشوط – يونيو 1987
لا للعبودية واللامساواة
تُعرَّف العبودية بوصفها أحد أكثر أشكال الظلم الاجتماعي حدة، حيث تقوم على امتلاك بعض البشر لغيرهم والتصرف فيهم كما تُمتلك الأشياء أو وسائل الإنتاج. وقد عرفت البشرية هذا النظام منذ أقدم العصور، فظهر في حضارات متعددة مثل الحضارة البابلية، والمصرية القديمة، واليونانية، والرومانية، كما عرفته مجتمعات آسيوية وأوروبية وعربية في مراحل تاريخية مختلفة.
وفي العصر الحديث، استمرت العبودية بأشكال متعددة، خاصة في المستعمرات الزراعية في الأمريكيتين وبعض مناطق إفريقيا وآسيا، قبل أن تتراجع تدريجيًا بفعل التحولات الاقتصادية والصناعية وصعود الفكر التحرري وحقوق الإنسان.
ويرى النص أن العبودية ليست ظاهرة مرتبطة بجنس أو عرق أو دين معين، بل هي نتاج تاريخي مرتبط بمراحل معينة من تطور المجتمعات البشرية، خاصة تلك التي اعتمدت على الزراعة والرعي قبل بروز الصناعة الحديثة. ومع تطور وسائل الإنتاج وظهور الآلة، تراجعت الحاجة الاقتصادية إلى العمل القسري، ما ساهم في انحسار هذه الظاهرة عالميًا.
ويضرب النص مثالًا بالمجتمعات الأوروبية، التي مارست الرق لقرون طويلة، لكنها اتجهت لاحقًا إلى محاربته بعد الثورة الصناعية، حيث أصبحت الآلات بديلاً عن اليد العاملة المستعبدة. كما يشير إلى دور بريطانيا في ملاحقة تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي، في سياق تحولات اقتصادية جعلت من الصناعات الحديثة أكثر أهمية من نظام الرق التقليدي.
العبودية والسياق العربي والإسلامي
يؤكد النص أن التاريخ العربي، رغم عدم خلوه من ممارسات العبودية، لم يشهد ترسيخًا لها بوصفها ظاهرة عنصرية ممنهجة، ويعزو ذلك إلى حضور منظومة قيم روحية وأخلاقية ساهمت في الحد من آثارها.
كما يشير إلى أن الإسلام جاء ليعزز هذه القيم، من خلال دعوته إلى المساواة والعدالة، وتشجيعه على تحرير العبيد، وفتح المجال أمامهم للمشاركة الكاملة في الحياة الاجتماعية. ويستشهد النص بنماذج تاريخية مثل بلال بن رباح وسلمان الفارسي وزيد بن حارثة، باعتبارهم أمثلة على مكانة العبيد المعتَقين في صدر الإسلام.
غير أن النص يقر بأن بعض آثار العبودية استمرت داخل المجتمعات العربية، وأدت في مراحل معينة إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية، مثل ثورة الزنج في العصر العباسي.
موريتانيا والواقع العبودي
يرى الكراس أن موريتانيا تمثل، في السياق المعاصر، نموذجًا لمجتمع ما تزال بعض أشكال العبودية حاضرة فيه، سواء في صورتها التقليدية المباشرة (الرق)، أو في شكلها الاجتماعي غير المباشر المرتبط بوضعية الحراطين.
ويشدد النص على أن العبيد والحراطين يشكلون جزءًا أصيلًا من الشعب العربي في موريتانيا، انطلاقًا من فهم قومي يعتبر أن الانتماء العربي يقوم على اللغة والتاريخ والثقافة والمصير المشترك، لا على أساس اللون أو الأصل العرقي.
كما يرفض الخطابات التي تسعى إلى تصوير العلاقة بين العرب البيض والحراطين بوصفها علاقة صراع قومي أو عرقي، معتبرًا أن الحل الحقيقي يكمن في معالجة جذور الظلم الاجتماعي وإنهاء جميع مظاهر العبودية والتمييز.
البعث والحراطين في موريتانيا: قراءة في واقع العبودية ومطالب التغيير الاجتماعي (الجزء الثاني)
أولًا: واقع العبيد في المجتمع الموريتاني
يتناول الكراس واقع العبيد في المجتمع الموريتاني بوصفه أحد أبرز مظاهر الاختلال الاجتماعي التاريخي، مشيرًا إلى أن هذه الفئة ظلت حاضرة داخل البنية الاجتماعية منذ فترات طويلة، حتى أصبح من الصعب تحديد البدايات الدقيقة لظهور هذا النمط من العلاقات القائمة على التبعية والاستغلال.
ويعرض النص طبيعة انتشار العبيد في الأوساط الريفية والبدوية، حيث كانوا يقيمون غالبًا إلى جانب أسيادهم في التجمعات التقليدية المعروفة بـ”الفرغان”، مع وجود تمايز واضح في ظروف السكن والمعيشة، بما يعكس الفوارق الاجتماعية القائمة. كما يشير إلى وجود تجمعات أخرى للعبيد في المناطق الزراعية، تُعرف بـ”أدواب”، خصوصًا في المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد، حيث ترتبط حياتهم بالأعمال الزراعية والرعوية.
ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، خاصة بفعل موجات الجفاف والهجرة نحو المدن، أصبح العبيد يشكلون نسبة معتبرة من اليد العاملة غير المتخصصة في الأوساط الحضرية، دون أن يعني ذلك تحسنًا جوهريًا في أوضاعهم الاجتماعية أو الاقتصادية.
ويؤكد النص أن هذه الفئة تعاني من مستويين أساسيين من الحرمان: الجهل والفقر. فمن جهة، لا تزال فرص التعليم محدودة أمام الكثير منهم، ومن جهة أخرى يعيشون أوضاعًا اقتصادية هشة نتيجة حرمانهم التاريخي من التملك والاستقلال المالي، في ظل أعراف اجتماعية ظلت تنظر إليهم باعتبارهم تابعين لأسيادهم، حتى فيما يتعلق بما يكسبونه أو يرثونه.
ثانيًا: وضعية الحراطين بين الحرية الشكلية والتهميش الاجتماعي
يفرد الكراس مساحة واسعة للحديث عن فئة الحراطين، التي يصفها بأنها تعيش وضعًا وسطًا بين التحرر القانوني والاستمرار العملي لآثار التبعية الاجتماعية.
ويشير إلى أن الحراطين، رغم اعتبارهم أحرارًا من الناحية الشكلية، لا يتمتعون في كثير من الأحيان بالمكانة الاجتماعية أو الاعتبار الذي يتمتع به غيرهم من المواطنين، إذ ما تزال بعض التقاليد والأعراف تنظر إليهم باعتبارهم مواطنين من درجة أدنى.
ويعيش كثير من الحراطين في ظروف اقتصادية مشابهة لتلك التي يعيشها العبيد السابقون، حيث يعتمدون على العمل اليدوي والزراعة والرعي، وغالبًا ما يقطنون في تجمعات منفصلة أو في أحياء هامشية.
ورغم هذه التحديات، يشدد النص على أن الحراطين لعبوا أدوارًا مهمة في التاريخ الوطني، وساهموا في مجالات متعددة مثل الأدب والعلم والسياسة والتجارة والبطولات العسكرية، ما يجعل الاعتراف بإسهاماتهم جزءًا من الإنصاف التاريخي الواجب.
ثالثًا: المطالبة بإنهاء الرق وتحقيق العدالة الاجتماعية
ينتقل النص بعد ذلك إلى عرض جملة من المطالب التي يعتبرها ضرورية لإنهاء آثار العبودية وتحقيق المساواة داخل المجتمع الموريتاني.
وتتمثل أبرز هذه المطالب في:
إنهاء جميع أشكال استغلال العبيد والحراطين، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الرمزية.
إعادة النظر في ملكية الأراضي الزراعية، بما يضمن حقوق من يفلحونها ويعيشون من عائدها.
ضمان الحرية الشخصية الكاملة، خاصة فيما يتعلق بالزواج وتكوين الأسرة واتخاذ القرارات الفردية دون وصاية أو تدخل.
وضع حد للإهانات والممارسات المهينة التي يتعرض لها أفراد هذه الفئات، ومحاسبة المسؤولين عنها.
سنّ تشريعات واضحة وحاسمة تترجم مبدأ المساواة إلى واقع عملي، وتمنع استمرار التمييز والاستغلال.
ويؤكد الكراس أن معالجة هذه القضية لم تعد خيارًا سياسيًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية مرتبطة بمستقبل البلاد ووحدتها الاجتماعية.
رابعًا: تقييم موقف السلطات من ملف العبودية
يتناول النص موقف السلطات المتعاقبة من قضية الرق، مشيرًا إلى أن التعاطي الرسمي معها اتسم، في كثير من المراحل، بالتردد أو الاكتفاء بالإعلانات القانونية دون اتخاذ تدابير تنفيذية فعالة.
ويشير إلى أن بعض النصوص القانونية التي أُعلنت لإلغاء الرق لم تُرفق بالآليات الضرورية للتطبيق، ما جعل أثرها محدودًا على أرض الواقع. كما ينتقد بعض القرارات التي ربطت تحرير المستعبدين بمسألة تعويض الأسياد، معتبرًا أن الأولوية ينبغي أن تكون لتعويض الضحايا وتمكينهم من حقوقهم.
ويعتبر الكراس أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يقتصر على النصوص القانونية، بل يجب أن يشمل أبعادًا اقتصادية وثقافية وتعليمية، تضمن إعادة إدماج الفئات المتضررة وتمكينها من المشاركة الكاملة في الحياة العامة.
خامسًا: الوحدة الوطنية في مواجهة الانقسام
يختتم هذا الجزء بالتأكيد على أن إنهاء العبودية ومخلفاتها ينبغي أن يتم في إطار الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز الانسجام بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني.
ويرفض النص كل الخطابات التي تسعى إلى استغلال القضية لإذكاء الانقسامات العرقية أو تأجيج الصراعات الداخلية، معتبرًا أن العدالة الاجتماعية والمساواة هما السبيل الحقيقي لترسيخ الاستقرار وبناء مجتمع متماسك.
كما يدعو إلى جعل قضية الحراطين والعبيد السابقين جزءًا من مشروع وطني جامع، يقوم على الاعتراف بالمظالم التاريخية والعمل الجاد على معالجتها بصورة عادلة وشاملة.









