مكطع لحجار بين احتكار السياسة وعطش المدينة

حمادي ولد سيدي محمد آباتي
ليست المعضلة في مكطع لحجار اليوم مجرد أزمة خدمات عابرة، ولا مجرد تأخر تنموي يمكن تبريره بعجز الوسائل أو ضعف الإمكانيات، بل إن المأساة الحقيقية تكمن في مفارقة صارخة: مقاطعة خضعت سياسيًا، لعقود، لطيف واحد استطاع أن يفرض نفوذه على المدينة المركزية ومعظم بلديات المقاطعة الأربع، وأن يحتكر المجال الانتخابي حتى أصبح الصوت المخالف نشازًا لا تكاد تصغي إليه الجماهير، ومع ذلك ظل السكان يعيشون العطش والتهميش وكأنهم خارج حساب الدولة.
لقد نجح هذا الطيف السياسي في إحكام قبضته على المشهد العام، مستفيدًا من شبكات النفوذ، وجماعات الضغط، وعلاقات ممتدة داخل أجهزة الدولة، فضلًا عن امتلاكه الكتلة التصويتية الأكبر. أما الأصوات التي لم يستطع استيعابها، فقد دفعتها الضرورة والخوف من الإقصاء أو العقاب السياسي إلى مسايرة خيارات الحزب الحاكم، طلبًا للأمان لا اقتناعًا بالمسار.
وباسم هذه السيطرة الطويلة، قُدمت الوعود، وارتفعت الشعارات، وتحدث القوم عن “الاستقرار السياسي” و“التمثيل القوي” و“العلاقة المتميزة مع الدولة”، لكن النتيجة التي يراها السكان بأعينهم كانت مدينة يطاردها العطش، وضواحٍ تنهشها الهشاشة، وسكانًا يفرون صباح مساء إلى العاصمة ومدن أخرى بحثًا عن الماء والعيش الكريم.
أي مفارقة هذه التي تجعل مدينة بكاملها، ومعها محيطها القروي، عاجزة عن الحصول على أبسط حقوق الحياة رغم أن أصواتها الانتخابية تكاد تكون محتكرة بالكامل؟
وأي نجاح سياسي يمكن الحديث عنه، إذا كانت قطرة الماء تصل إلى السكان بشق الأنفس، بينما يتحدث المتنفذون عن “الإنجازات” وكأنهم يعيشون في مدينة أخرى؟
لقد تحولت السياسة، في نظر كثير من السكان، من وسيلة لخدمة الناس إلى أداة للهيمنة عليهم، ومن جسر للتنمية إلى وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ ذاته. فالمكاسب التي تحققت، على محدوديتها، لم تُبنَ على العدالة ولا على رؤية تنموية متوازنة، بل اتسمت بانتقائية واضحة في التوزيع، سواء تعلق الأمر بالاستثمارات أو بالتعيينات أو بالمنافع السياسية.
والأخطر من ذلك أن جانبًا معتبرًا من التعيينات لم يكن موجَّهًا إلى موظفين عموميين تتم ترقيتهم وفق المساطر الإدارية المعروفة، وهو ما كان سيخفف العبء على خزينة الدولة عبر الاكتفاء بالعلاوات والتعويضات، بل اتجه إلى تعيين أشخاص من خارج الوظيفة العمومية، في مقاربة تُثقل الميزانية وتُضعف الشعور بالعدالة وتكرّس الزبونية السياسية بدل تكافؤ الفرص.
أما القوى الاجتماعية والرمزية العريقة في المقاطعة، وهي مجموعات لها حضورها التاريخي ووزنها المعنوي داخل النسيج المحلي، فقد وجدت نفسها عرضة لمحاولات تهميش ممنهجة، عبر صناعة واجهات نفوذ جديدة، ومنح إمكانيات استثنائية لأشخاص جرى تقديمهم باعتبارهم “البديل” أو “القوة الصاعدة”، في محاولة لإخفاء الثقل الحقيقي للمجتمع خلف مشهد مصطنع.
غير أن المشكلة في هذه المقاربة أنها تتجاهل حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: الشرعية الاجتماعية لا تُصنع بالمال وحده، ولا تُشترى بالنفوذ العابر، ولا تُفرض عبر تضخيم أسماء بلا جذور. فالمجتمعات تعرف جيدًا من يمثلها ومن يشبهها ومن نبت من تربتها.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال هنا هو ذلك المثل البليغ:
“العود مهما مكث في البحر، فلن يكون سمكة.”
إن مكطع لحجار لا تحتاج اليوم إلى مزيد من السيطرة السياسية، بل إلى مراجعة أخلاقية وتنموية شجاعة تعيد الاعتبار للإنسان قبل البطاقة الانتخابية، وللعدالة قبل الولاء، وللتنمية الحقيقية قبل استعراض النفوذ.
فالمدينة التي تمتلك كل هذا الرصيد البشري والتاريخي لا يليق بها أن تتحول إلى رمز للعطش والهجرة واليأس، ولا يليق بسكانها أن يُطلب منهم التصفيق لصهريج ماء يُقدَّم وكأنه فتح تاريخي.
لقد آن الأوان لأن يُطرح السؤال بوضوح:
إذا كانت السياسة لا تستطيع أن توفر الماء والكرامة والعدالة لمن منحها كل شيء، فما الذي بقي لها؟





