ثقافة

بين الشخصنة وإدارة الدولة: هل تُدار موريتانيا بمنطق الوفاء أم بمنطق المؤسسات؟

منذ اندلاع القطيعة السياسية بين الرئيس محمد ولد الغزواني والرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، انشغل الرأي العام بمحاولة تفسير ما جرى بين الرجلين: هل هو خلاف سياسي طبيعي؟ أم صراع نفوذ؟ أم تصفية حسابات شخصية بعد عقود طويلة من الصداقة والشراكة داخل المؤسسة العسكرية والدولة؟

بعض القراءات ذهبت بعيدًا في التفسير النفسي، معتبرة أن غزواني يعيش “عقدة” تجاه الرجل الذي دعمه لسنوات، وأنه يحاول التخلص من صورة “الخائن” عبر تحويل صراعه مع عزيز إلى مواجهة مع كامل النظام السابق. ورغم ما في هذا الطرح من مبالغة أحيانًا، فإنه يلامس نقطة تستحق التأمل: وهي أن الدولة الموريتانية ما تزال، إلى حدّ بعيد، تُدار بمنطق العلاقات الشخصية أكثر من منطق المؤسسات.

فالكثير من الأسماء التي ما تزال حاضرة بقوة في مفاصل الدولة، من أمثال المختار ولد اجاي، ومحمد ولد عبد الفتاح، ومولاي ولد محمد لغظف، وآمال بنت مولود، والناني ولد الشروقه، هي شخصيات برزت أساسًا في عهد عزيز، وبعضها لم يكن يملك قبل ذلك نفوذًا اجتماعيًا أو قاعدة شعبية أو حضورًا سياسيًا مستقلاً. وهذه حقيقة يعرفها الجميع، سواء اتفقوا أو اختلفوا مع هؤلاء الأشخاص.

لكن السؤال الأهم ليس: من صنع هؤلاء؟ بل: لماذا ما تزال الدولة الموريتانية قائمة على “صناعة الرجال” بدل صناعة المؤسسات؟

المشكلة الحقيقية في موريتانيا ليست في أن هذا المسؤول محسوب على عزيز أو على غزواني، بل في أن معايير التعيين والترقية ما تزال غامضة في كثير من الأحيان، فلا الكفاءة وحدها تكفي، ولا المحاسبة حاضرة بما يكفي، ولا التداول الإداري يخضع دائمًا لمنطق الأداء والنتائج.

ولهذا يصبح من الطبيعي أن تتحول الدولة إلى ساحة ولاءات شخصية، وأن يشعر كل رئيس بالحاجة إلى الاحتفاظ برجال سلفه أو إقصائهم وفق ضرورات التوازن السياسي، لا وفق تقييم موضوعي للكفاءة والإنجاز.

ومن الإنصاف أيضًا القول إن اختزال المشهد كله في صراع نفسي بين رجلين قد يكون تبسيطًا مخلًا. فالدولة ليست فردًا واحدًا، والقرارات الكبرى لا تُتخذ دائمًا بدافع العاطفة أو الوفاء أو الانتقام، بل تتحكم فيها كذلك حسابات الاستقرار، والتوازنات الداخلية، وضغوط مراكز النفوذ، وتعقيدات المرحلة الأمنية والإقليمية.

ومع ذلك، يبقى أخطر ما في المشهد هو استمرار النخبة السياسية نفسها في تدوير المواقع والأدوار، بينما تتراجع ثقة المواطن في جدوى السياسة والإدارة معًا. فحين تصبح المناصب مرتبطة بالقرب من الأشخاص لا بالقرب من الكفاءة، تتآكل فكرة الدولة الحديثة تدريجيًا، ويشعر المواطن أن الوطن يُدار كشبكة علاقات لا كمؤسسات جمهورية.

إن مصلحة موريتانيا اليوم لا تكمن في الانحياز لعزيز ضد غزواني، ولا لغزواني ضد عزيز، بل في تجاوز هذا المنطق أصلًا. فالدول لا تبنى بالصداقات الشخصية، ولا تستقر بالخصومات الشخصية، وإنما تبنى بقواعد واضحة: الكفاءة، والشفافية، والعدالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

أما بقاء البلاد أسيرة صراعات الماضي، وتصفية الحسابات بين أجنحة السلطة، فلن ينتج إلا مزيدًا من الإحباط السياسي، ومزيدًا من القطيعة بين المواطن والدولة، في وقت تحتاج فيه موريتانيا أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع وطني يتجاوز الأشخاص نحو بناء مؤسسات قوية تحمي الجميع، مهما تغيرت الوجوه والحكومات.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى