حين يتحوّل الاعتراف من خطاب المظلومية إلى مشروع وطن

بقلم: حمادي سيدي محمد آباتي
في التحولات الكبرى لا تتغيّر الأسماء عبثًا، بل لأن الوعي نفسه يكون قد تحرّك خطوة إلى الأمام. ومن هنا يبدو الانتقال من “ميثاق حقوق لحراطين” إلى “ميثاق المواطنة المتكافئة” أكثر من مجرد تعديل لغوي أو تبديل عنوان؛ إنه انتقال من منطق الفئة إلى أفق الوطن، ومن خطاب الجرح الخاص إلى مشروع العدالة الجامعة.
لقد ظلّ ملف لحراطين واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المجتمع الموريتاني، لأنه يرتبط بتاريخ طويل من التراتبية الاجتماعية، وبآثار اقتصادية وثقافية ما تزال حاضرة رغم التحولات القانونية والسياسية. غير أن الإنصاف يقتضي القول إن اختزال قضية لحراطين في خطاب المظلومية وحده، أو تقديمهم باعتبارهم مجرد ضحايا دائمين، لا يخدم الحقيقة ولا يخدم المستقبل.
فلا أحد يستطيع إنكار ما قدّمه لحراطين لهذا الوطن، ولا أحد يملك أن يتجاهل حجم حضورهم في تفاصيل الحياة اليومية للموريتانيين جميعًا. إنهم اليد التي زرعت الحقول، وحملت الأثقال، وشيّدت البيوت، وأخرجت السمك من البحر، وهيّأت الطعام في الأفراح والمناسبات، وسقت المدن بالماء، وأدارت عجلة الأعمال الشاقة التي يقوم عليها المجتمع بصمت وكبرياء.
لا يكاد مواطن يتناول خبزًا إلا وكان لحراطين جزءًا من رحلة ذلك الخبز: زرعًا، أو حصادًا، أو نقلًا، أو طحنًا، أو إعدادًا.
ولا يكاد بيت يُبنى إلا وكانت أياديهم حاضرة منذ حفر الأساس حتى تسليم المفاتيح.
ولا تكاد مناسبة اجتماعية تقوم إلا وكانوا روحها العملية والإنسانية؛ رجالًا ونساءً، عمّالًا وفنانين، طباخين وبنّائين، حملةً لذاكرة الكرم الشعبي والبذل الاجتماعي.
لقد كانوا دائمًا في قلب الحياة الموريتانية، لا على هامشها.
غير أن الاعتراف بهذا الفضل لا يعني إنكار وجود اختلالات حقيقية. فالمشكلة لم تعد اليوم في القوانين وحدها، بل في الآثار الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة. لقد قصّرت الدولة طويلًا في محو مخلفات الرق، وفي بناء سياسات تنموية وتعليمية قادرة على تحرير الإنسان من الفقر والتهميش والجهل.
إن تدهور التعليم العمومي، وتمييعه، وضرب جودته، كان من أخطر الكوارث الاجتماعية التي عمّقت الفوارق الطبقية. فبعض الفئات استطاعت، رغم الفقر، أن تعوّض ضعف التعليم العمومي باللجوء إلى التعليم الخاص، بينما بقيت شرائح واسعة من لحراطين أسيرة الفقر وضعف الوعي التعليمي، فعجزت عن توفير البديل، ودخلت الأجيال الجديدة سباق الحياة بأدوات أقل، وفرص أضيق.
ثم تأتي المعضلة العقارية لتكشف أن بعض العقليات الإقطاعية ما تزال تقاوم فكرة المواطن الحر المستقل، فتحاول ربط استغلال الأرض بعلاقات التبعية التقليدية، وتمنع امتلاكها بوصفه حقًا فرديًا كاملًا. ورغم أن هذا الواقع ليس شاملًا، فإنه موجود بما يكفي ليشكّل عائقًا أمام العدالة الاجتماعية والاستقرار الأهلي.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في استمرار هذه الاختلالات، بل في استثمارها سياسيًا بطريقة تؤدي إلى تمزيق المجتمع بدل إصلاحه. فهناك من جعل من مظلمة لحراطين تجارة سياسية، ومن خطاب الضحية وسيلة للارتزاق وبناء النفوذ، لا بهدف تحرير الإنسان، بل بهدف تعميق الانقسام بين مكونات الشعب حتى يبقى المجتمع متخاصمًا، ويبقى الفساد مستفيدًا من هذا التشظي.
إن الشعب الموريتاني، بكل مكوناته، هو شعب مظلوم حين يفتقد العدالة، وحين تنهار المدرسة، وحين يُحتكر النفوذ والثروة، وحين تُستغل الهويات لإشعال الصراع بدل بناء الشراكة الوطنية.
ولذلك فإن “ميثاق المواطنة المتكافئة” يحمل دلالة عميقة إذا أُريد له أن يكون مشروعًا حقيقيًا:
أن يتحول النقاش من سؤال “من الأكثر مظلومية؟” إلى سؤال “كيف نبني دولة يتساوى فيها المواطنون؟”.
دولة لا يُقاس فيها الإنسان بلونه، ولا بأصله الاجتماعي، ولا بقبيلته، بل بكفاءته وكرامته وحقوقه الدستورية.
إن لحراطين لا يحتاجون شفقة أحد، لأنهم كانوا دائمًا جزءًا من القوة الحية لهذا الوطن، لكنهم — مثل غيرهم من الفقراء والمهمشين — يحتاجون عدالة حقيقية، وتعليمًا محترمًا، وفرصًا متكافئة، وتمكينًا اقتصاديًا، وحماية قانونية تضمن لهم الاستقلال الكامل عن كل أشكال التبعية القديمة.
أما الوطن، فإنه يحتاج إلى خطاب عقلاني شجاع، يعترف بالمظالم دون أن يحوّلها إلى وقود للكراهية، ويؤمن بأن بناء المستقبل لا يتم عبر تقسيم الناس إلى ضحايا وجلادين بشكل أبدي، بل عبر تأسيس عقد مواطنة يشعر فيه الجميع أنهم شركاء في الأرض والكرامة والمصير.
فالأوطان لا تُبنى بالحقد، بل بالإنصاف.
ولا تنهض بالشعارات، بل بالعدالة.
ولا يحميها تمزيق المجتمع، بل توحيده حول فكرة واحدة:
أن المواطن، أيًّا كان لونه أو أصله، يجب أن يكون كامل الكرامة… كامل الحقوق.






