الصواب مالم يدافع عنه يظل فكرة معطلة : سيدي النمين/ بتصرف…

في السياسة، كما في الحياة، لا يكفي أن يكون المرء على صواب؛ فالصواب، ما لم يُعلَن ويُدافَع عنه، يظل فكرةً معطّلة الأثر، محدودة الحضور، سرعان ما تتلاشى في ضجيج الخطابات المتعارضة. فالمواقف التي لا تجد من يحملها إلى الفضاء العام بوضوح وثقة، تفقد قدرتها على التأثير، مهما كانت قوة حجتها ومتانة بنيانها.
وقد برزت هذه الحقيقة بوضوح مع بروز صوت مختلف من داخل الأغلبية، صوت اختار أن يكسر نمط التحفظ السائد، وألا يكتفي بالمراقبة الصامتة. فقد قدّمت النائب سعداني منت خيطور نموذجًا لمداخلة سياسية متماسكة، اعتمدت على الوقائع، واستندت إلى منطق هادئ، وواجهت الانتقادات بلغة واثقة دون انزلاق إلى الانفعال. وبصرف النظر عن المواقف من مضمون خطابها، فإن مجرد إقدامها على خوض معركة التوضيح والدفاع يمثل تحولًا لافتًا، لأنه كسر حالة الصمت التي لازمت، طويلًا، جزءًا معتبرًا من رموز الموالاة.
تُظهر هذه الواقعة خللًا أعمق في أداء الأغلبية، التي بدت في كثير من الأحيان وكأنها تراهن على الفعل السياسي وحده، دون أن تواكبه بخطاب يشرحه ويؤطره. وكأن الإنجاز يغني عن تفسيره، أو أن القرار يفرض مشروعيته بمجرد صدوره. ونتيجة لذلك، تُرك المجال العام، لفترات ممتدة، مفتوحًا أمام خطاب المعارضة، التي ملأت الفراغ بسردياتها وتأويلاتها، ما أفضى إلى اختلال في توازن التأثير داخل الرأي العام.
وهنا تتجلى المعضلة الأساسية: فالحياة السياسية لا تقوم فقط على إدارة المؤسسات، بل تتأسس أيضًا على صراع السرديات وتنافس التأويلات. ومن ينسحب من هذا الحيز، يسلّم، عمليًا، أدوات التأثير لخصمه. وفي سياق تتسع فيه منصات التعبير، من البرلمان إلى الإعلام التقليدي، وصولًا إلى الفضاء الرقمي سريع التأثير، يصبح الصمت مكلفًا، بل قد يتحول إلى عامل إضعاف ذاتي.
لقد تغيرت شروط الفعل السياسي. ولم يعد التحفظ أو الصمت يُحسبان بالضرورة من قبيل الحكمة، بل قد يُفضيان إلى فراغ تملؤه أصوات أخرى وفق تصوراتها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة داخل الأغلبية، قوامها المبادرة في التواصل، والقدرة على الدفاع، والوضوح في عرض الخيارات، دون ارتباك أو تردد.
فالدفاع عن مشروع سياسي ليس موضع حرج، بل هو امتداد طبيعي للالتزام به. كما أن شرح السياسات وتفسير القرارات يُعد جزءًا من المسؤولية العامة، لا ترفًا يمكن الاستغناء عنه. وفي المقابل، تظل المعارضة عنصرًا أصيلًا في أي نظام ديمقراطي، ومن حقها ممارسة النقد والضغط. غير أن هذا الحق لا يستلزم غياب الطرف الآخر عن ساحة النقاش، ولا يبرر ترك المجال العام دون توازن في العرض والتفسير.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة خطاب المعارضة بقدر ما يكمن في ضعف حضور خطاب الموالاة. فالرأي العام لا يتشكل فقط من الوقائع، بل من الطريقة التي تُعرض بها، واللغة التي تُصاغ بها، والوجوه التي تتحدث باسمها. ومن هنا، فإن أي أغلبية لا تُحسن إدارة خطابها، تخاطر بأن تُترك روايتها خارج التداول، حتى وإن كانت تملك عناصر القوة في الواقع.
في هذا السياق، يمكن قراءة مداخلة النائب سعداني منت خيطور بوصفها أكثر من مجرد موقف ظرفي؛ إنها إشارة إلى ضرورة استعادة التوازن في الفضاء العام، وتذكير بأن الفعل السياسي يظل ناقصًا ما لم يُدعَم بخطاب قادر على حمله إلى الناس. فالأفكار، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى من يمنحها الصوت والحضور، وإلا فإنها تذبل، بينما تتقدم إلى الواجهة أفكار أخرى، ربما أقل متانة، لكنها أكثر حضورًا وتأثيرًا.








