قمة مرتقبة بين واشنطن وبكين وسط تصاعد التوترات الإستراتيجية

تتجه الأنظار إلى قمة جديدة مرتقبة تجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ، في ظل حديث متزايد عن رغبة الطرفين في ترسيخ قدر من الاستقرار بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
غير أن هذا الاستقرار يبدو هشاً، إذ لا تزال الملفات التي تعتبرها بكين جزءاً من مصالحها الجوهرية حاضرة بقوة، وفي مقدمتها قضية تايوان، مع استمرار الولايات المتحدة في تزويد الجزيرة بالسلاح ودعم قدراتها الدفاعية.
ورغم أن الصين لا ترى في الوقت الراهن سبباً يدفع إلى تأجيل القمة مجدداً، فإنها تنظر بقلق إلى ما تعتبره تدخلاً أمريكياً في قضايا تمس سيادتها ومصالحها الأساسية.
وترى وكالة بلومبيرغ أن ملفين إستراتيجيين برزا قبيل اللقاء المرتقب، وأسهما في رفع مستوى الاحتكاك بين الجانبين، هما النفط الإيراني والذكاء الاصطناعي.
النفط الإيراني يرفع منسوب التوتر
بحسب بلومبيرغ، كثفت إدارة ترمب خلال الأيام الأخيرة مراقبتها للعلاقات الاقتصادية بين بكين وطهران، وفرضت عقوبات على واحدة من أكبر المصافي الخاصة في الصين، فيما لوّح وزير الخزانة سكوت بيسنت بإمكانية فرض عقوبات ثانوية على البنوك الصينية إذا استمرت في دعم عائدات إيران.
وتراهن واشنطن، وفق الوكالة، على أن تشديد الخناق على طهران عبر عملائها الصينيين، الذين يستحوذون على نحو 90% من صادراتها النفطية، قد يزيد الضغط على الجمهورية الإسلامية في مرحلة تواجه فيها الإدارة الأمريكية صعوبة في إنهاء الحرب بطريقة تحفظ هيبة الولايات المتحدة.
لكن هذا الضغط لا يخلو من تبعات على الصين نفسها، إذ تمر عبر مضيق هرمز إلى بكين كميات من الغاز الطبيعي المسال تفوق ما تستورده أي دولة أخرى، كما تعتمد الصين على الشرق الأوسط لتأمين نحو 40% من وارداتها النفطية.
وبالتالي، فإن أي اضطراب في الخليج أو أي قيود إضافية على الإمدادات الإيرانية لن يضر بطهران وحدها، بل سيؤثر مباشرة في أمن الطاقة الصيني.
ومن هذا المنطلق، تكتسب القمة المقبلة أهمية تتجاوز إدارة الخلافات التجارية، لتصبح اختباراً لقدرة واشنطن على زيادة الضغط على إيران دون دفع بكين إلى مزيد من التشدد.
الصين تعزز دفاعاتها التكنولوجية
في المقابل، تشير بلومبيرغ إلى أن الصين تتحرك بوتيرة سريعة لتقليص نقاط ضعفها في قطاع التكنولوجيا، وفي مقدمة ذلك قرارها منع صفقة استحواذ شركة “ميتا” بقيمة ملياري دولار على شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة “مانوس”، في رسالة واضحة بأن بكين لم تعد مستعدة للتفريط بسهولة في تقنياتها المتقدمة.
كما أعلنت السلطات الصينية هذا الشهر قواعد جديدة تستهدف الشركات الأجنبية التي تنقل سلاسل الإمداد خارج البلاد أو تلتزم بقيود التصدير الأمريكية، في خطوة ترمي إلى تعزيز الهيمنة الصناعية الصينية وتقليل تأثير الضغوط الخارجية.
وتوضح الوكالة أن هذه السياسات تتجاوز مجرد حماية التكنولوجيا الحالية، إذ تندرج ضمن إستراتيجية أشمل لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
فالمكتب السياسي الصيني جدّد هذا الشهر دعوات الرئيس شي جين بينغ إلى الاعتماد التكنولوجي الذاتي والسيطرة على سلاسل الإمداد، بينما عززت شركة “ديب سيك” الصينية هذا التوجه بإطلاق نموذج جديد للذكاء الاصطناعي يعمل على أحدث رقائق “هواوي”، في مؤشر على سعي بكين لبناء منظومة محلية متكاملة في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
وفي المقابل، يتصاعد الضغط داخل الكونغرس الأمريكي لسد الثغرات التي تسمح بتدفق التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين، من خلال مشروع قانون “ماتش”، الذي يهدف إلى تقييد وصول شركات الرقائق الصينية إلى معدات التصنيع المتطورة، ونقل جزء من صلاحيات قرارات التصدير من البيت الأبيض إلى الكونغرس.
وبذلك، ترى بلومبيرغ أن القمة المرتقبة لا تمثل لحظة انفراج كاملة، بل تسبقها منافسة محتدمة بين الجانبين لتعزيز أوراق الضغط قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.









