ثقافة

حين يصبح الإصلاح سؤالاً عن العدالة: هل تُبعد السياسةُ العسكرَ أم يُعاد رسمُ حدود النفوذ؟

يثير مشروع القانون المتعلق بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي لضباط الجيش الوطني نقاشاً يتجاوز مواده القانونية المباشرة، ليمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ الدول الحديثة: العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، وحدود انتقال العسكري من فضاء الانضباط المهني إلى فضاء الفعل العام.

فمن حيث المبدأ، لا خلاف على أن الدولة الديمقراطية تحتاج إلى جيش جمهوري محترف، يظل بعيداً عن التجاذبات السياسية، ويحتفظ بمكانته باعتباره مؤسسة وطنية لحماية السيادة والأمن، لا أداة للصراع على الحكم. كما أن إخراج المؤسسة العسكرية من دائرة المنافسة السياسية هدف مشروع، بل ضروري لأي تجربة تريد بناء دولة المؤسسات.

لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يتحول هذا المبدأ إلى سؤال عن التطبيق: هل تطبق القاعدة على الجميع؟ أم أنها تُصاغ بطريقة تجعل بعض الذين استفادوا تاريخياً من قربهم من المؤسسة العسكرية خارج دائرة القياس نفسه؟

فالمفارقة التي يطرحها الجدل الحالي أن عدداً من أبرز الفاعلين في المشهد السياسي الموريتاني الحديث هم أصلاً من خلفية عسكرية، وقد انتقلوا من المؤسسة العسكرية إلى مواقع السلطة السياسية والإدارية. وهو أمر وقع في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، حيث لعب العسكريون السابقون أدواراً مركزية في إدارة الدولة.

وهنا يظهر السؤال الجوهري: إذا كان الانتقال من المؤسسة العسكرية إلى المجال السياسي قد كان ممكناً لبعض الأشخاص في مراحل سابقة، فهل يصبح فجأة ممنوعاً على غيرهم؟ وهل يجوز أن يُغلق الباب أمام أجيال لاحقة بعد أن فُتح لمن سبقهم؟

إن العدالة في بناء القوانين لا تتعلق فقط بنصوصها، بل أيضاً بظروف إنتاجها، وبمدى شعور المجتمع بأنها قواعد عامة لا تستهدف فئة بعينها.

ومن القضايا التي أثارت نقاشاً واسعاً مسألة تنظيم ممارسة الضباط المتقاعدين للعمل السياسي، وربط ذلك بشروط أو قيود خاصة. فالمبدأ الذي يدعو إلى تحييد المؤسسة العسكرية يمكن الدفاع عنه بقوة، لكن السؤال يبقى: هل التقاعد ينهي الصفة العسكرية تماماً، أم يبقي لصاحبها وضعاً استثنائياً يبرر قيوداً لا تطبق على بقية المواطنين؟

فالمواطن الذي يغادر وظيفته العامة يفترض أن يعود إلى دائرة الحقوق والواجبات العامة. وإذا كان القانون يرى أن بعض المناصب أو الرتب السابقة تستدعي قيوداً إضافية، فإن ذلك يحتاج إلى تبرير واضح، ومعايير منسجمة، وضمان ألا يتحول إلى وسيلة للتمييز بين المواطنين.

أما الجانب الآخر من النقاش، والمتعلق بالامتيازات المالية والعلاوات مدى الحياة، فيفتح باباً أوسع حول فلسفة توزيع الموارد العامة.

فمن حق أفراد القوات المسلحة، مثل غيرهم من موظفي الدولة، أن يحصلوا على تقدير عادل لما قدموه من خدمة، وأن تضمن لهم الدولة حياة كريمة بعد التقاعد. فالدول التي تحترم مؤسساتها لا تهمل من خدموها.

لكن العدالة الاجتماعية تفرض سؤالاً موازياً: هل تُبنى أنظمة التقاعد والمكافآت وفق رؤية وطنية شاملة، أم وفق ترتيبات خاصة لفئات محددة؟

فحين يشعر موظف مدني أفنى عقوداً في خدمة الدولة أن امتيازاته أقل بكثير من امتيازات فئات أخرى، فإن القضية لا تعود مجرد شأن مالي، بل تصبح مسألة شعور بالمساواة والإنصاف بين المواطنين.

ولا يمكن معالجة اختلالات قطاع ما بإنتاج اختلالات جديدة. فإذا كانت هناك حاجة إلى تحسين أوضاع فئة من الموظفين أو المتقاعدين، فإن الحل ليس رفض ذلك، بل بناء سياسة عادلة تشمل الجميع وفق معايير واضحة.

لذلك فإن القضية الأعمق ليست: هل يستحق العسكريون التقدير؟ بل: كيف يتحول هذا التقدير إلى نظام عادل لا يخلق مواطنين بدرجات مختلفة؟

إن بناء الدولة لا يتم عبر الانتقال من نفوذ فئة إلى امتياز فئة أخرى، بل عبر تأسيس قاعدة واحدة: من خدم الدولة يُكرّم، ومن تقاعد تُصان حقوقه، لكن الجميع يخضعون لمبدأ المواطنة المتساوية.

أما الفصل بين المؤسسة العسكرية والسياسة، فإنه لا ينجح بالقرارات وحدها، بل يحتاج إلى مصداقية سياسية تبدأ من أصحاب القرار أنفسهم. فإذا كان الهدف هو فتح صفحة جديدة يصبح فيها الجيش مؤسسة مهنية فوق الصراع السياسي، فإن أقوى رسالة هي أن تُطبق المعايير على الجميع دون استثناء.

فالديمقراطية لا تقاس فقط بالقوانين التي تمنع الآخرين، بل أيضاً بقدرة من يملكون السلطة على الالتزام بالمعايير نفسها التي يطلبون من غيرهم احترامها.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يطرحه هذا الجدل ليس فقط: ماذا سيفعل الضباط المتقاعدون؟ بل سؤال أكبر: أي دولة نريد أن نبني؟ دولة تُدار بمنطق الامتيازات، أم دولة تصبح فيها القاعدة واحدة على الجميع؟

هناك فقط يصبح الإصلاح إصلاحاً حقيقياً، لا مجرد إعادة ترتيب لموازين النفوذ.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى