حين تكذب الأرقام… ثم تقرر أن تقول الحقيقة

في حياة الأمم لحظات لا تكون فيها الأرقام مجرد نتائج إحصائية، وإنما تتحول إلى وثائق سياسية واجتماعية، لأنها تكشف ما عجزت الخطب عن قوله، وما أخفته التقارير عن أعين أصحاب القرار.
نتائج البكالوريا لهذا العام واحدة من تلك الوثائق.
فحين ينجح 8188 مترشحًا فقط من أصل 64532، فإن القضية لا تتعلق بامتحان انتهى، ولا بدفعة ستغادر مقاعد الدراسة إلى فضاءات أخرى، وإنما تتعلق بمنظومة كاملة وقفت أمام مرآتها لأول مرة، فلم تجد وسيلة للهرب من صورتها الحقيقية.
قد يرى البعض في هذه النتيجة كارثة وطنية، وهذا وصف لا يخلو من الصواب. غير أن الكارثة الأكبر ليست في تدني نسبة النجاح، بل في أن المجتمع الموريتاني لم يعد يفاجأ بالكوارث. لقد أصبحت الأزمات تتعاقب حتى فقدت قدرتها على إحداث الصدمة، وكأن الوطن دخل مرحلة التعايش مع الإخفاق، وأصبح انهيار المؤشرات حدثًا عاديًا لا يستدعي إلا تعليقًا عابرًا، ثم يطويه النسيان.
لكن النخب، إذا كانت جديرة بهذا الاسم، لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الدهشة. فالدهشة انفعال، أما القراءة فهي مسؤولية.
إن هذه النتائج لا تستحق أن تُقرأ باعتبارها فشلًا طارئًا، وإنما باعتبارها لحظة كشف. إنها تزيح الستار عن واقع ظل سنوات طويلة محاطًا بأرقام قيل إنها تؤشر إلى التعافي، بينما كانت تخفي تحتها هشاشة متراكمة. ولعل أخطر ما يصيب أي نظام تعليمي ليس ضعف مخرجاته، وإنما نجاحه في إقناع الناس بأنه بخير وهو ليس كذلك.
ولذلك، فإن هذه النتيجة، على قسوتها، قد تكون أكثر صدقًا من نتائج كثيرة سبقتها.
إنها لا تجمل الواقع، ولا تمنحه مساحيق تجعله مقبولًا، وإنما تضعه كما هو أمام الجميع. وفي ذلك، رغم الألم، مكسب لا يجوز التفريط فيه. لأن الإصلاح يبدأ من الحقيقة، لا من الصورة المرسومة للحقيقة.
لقد كان العرب يقولون: “الرائد لا يكذب أهله.” والرائد الحقيقي ليس من يحمل الأخبار السارة، وإنما من ينقل الواقع كما هو، لأن الكذب قد يؤجل الأزمة، لكنه لا يلغيها، بينما الصدق قد يكون مؤلمًا، لكنه يفتح باب العلاج.
ومن هنا، فإن من الإنصاف القول إن هذه النتائج، مهما كانت قاسية، قد أدت وظيفة وطنية كبرى، إذ أعادت النقاش إلى مربعه الصحيح. فلم يعد السؤال: كيف نحسن صورة التعليم؟ بل أصبح: كيف ننقذ التعليم نفسه؟
غير أن الاعتراف بالخلل ليس إلا أول الطريق.
فإذا كانت الدولة جادة في إصلاح المنظومة التربوية، فإن الضوء قد سُلِّط بالفعل على بعض مكامن الداء، ووُضعت اللبنة الأولى في بناء الجسر الذي ينبغي أن يعبر عليه قطاع التعليم نحو مرحلة جديدة. غير أن الجسور لا تقوم بالحجارة الأولى وحدها، وإنما تحتاج إلى رؤية، وإرادة، ومواد بناء، وصبر على الإنجاز.
إن أكبر ما ينقص هذا المشروع هو الإنسان المؤهل. فالإدارة، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع أن تصنع تعليمًا جيدًا إذا كانت الموارد البشرية لم تُبنَ على أسس الكفاءة والاستحقاق. وقد شهد القطاع خلال مراحل مختلفة اكتتابات لم تكن الجودة معيارها الأول، فكان طبيعيًا أن تنتقل آثار ذلك إلى الفصل الدراسي، ثم إلى ورقة الامتحان، ثم إلى هذه النتيجة التي يقرأها الجميع اليوم.
ولم تقف المشكلة عند هذا الحد، فما تزال أوضاع المدرسين المادية والمهنية دون المستوى الذي يجعل من التعليم مهنة جاذبة للكفاءات. ولا يزال التكوين المستمر أقرب إلى المبادرات المتفرقة منه إلى سياسة وطنية واضحة، تنطلق من تشخيص دقيق للحاجات، وتربط بين التدريب وجودة الأداء، وتجعل من تطوير المعلم مشروعًا دائمًا لا نشاطًا موسميًا.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ من البكالوريا، ولا ينتهي عندها. إنه يبدأ يوم يدخل الطفل المدرسة لأول مرة، ويمر بالكتاب المدرسي، وبالمعلم، وبالإدارة، وبالتقويم، وبالبيئة المدرسية، وينتهي عند الجامعة وسوق العمل. ولذلك فإن اختزال الأزمة في امتحان واحد ظلم للحقيقة، كما أن اختزال الحل في إجراء إداري واحد وهم آخر.
لقد قالت نتائج هذا العام ما كان ينبغي أن يقال منذ زمن.
ويبقى السؤال معلقًا أمام الجميع: هل نتعامل معها باعتبارها فضيحة ينبغي إخفاؤها، أم باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة بناء مدرسة موريتانية تستحق هذا الوطن؟
ذلك هو الفارق بين دولة تُدير الأزمات، ودولة تُصلح أسبابها.
حمادي سيدي محمد آباتي






