فضاء الرأي

الأخطاء القضائية في موريتانيا.. حين تصبح حرية الأبرياء ضحية لقصور العدالة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


لا توجد منظومة قضائية معصومة من الخطأ، مهما بلغت درجة تطورها واستقلاليتها، فالقضاء، شأنه شأن بقية المؤسسات البشرية، قد يصيب في أحكامه وقد يجانبه الصواب. غير أن الفارق الحقيقي بين الأنظمة القضائية لا يكمن في غياب الأخطاء، وإنما في مدى استعدادها للاعتراف بها، وتصحيحها، وإنصاف من تعرضوا للظلم بسببها.
ففي عدد من الدول، أعيد النظر في أحكام قضائية أدت إلى سجن أبرياء لسنوات طويلة، بعدما كشفت التحقيقات اللاحقة عن اختلالات في الأدلة أو إجراءات المحاكمة. ولم تتردد تلك الأنظمة في إعادة الاعتبار للضحايا والاعتراف بمسؤوليتها، بل وتعويضهم عن سنوات الحرمان من الحرية التي قضوها ظلما.
أما في موريتانيا، فلا يزال ملف الأخطاء القضائية يطرح أسئلة مؤرقة حول غياب ثقافة الاعتراف بالخلل، ومحدودية آليات مراجعة الأحكام التي قد تكون صدرت في ظروف لم تتوافر فيها ضمانات العدالة الكاملة. فمنذ الاستقلال، لم تترسخ، بالقدر المطلوب، ممارسة مؤسسية واضحة للاعتذار عن الأخطاء القضائية وجبر أضرار ضحاياها.
وتزداد خطورة هذه الإشكالية عندما تتحول بعض الاعتبارات الاجتماعية أو الشخصية إلى عوامل مؤثرة في مسار التحقيق والمحاكمة، مثل الوساطة والمحسوبية والرشوة والولاءات القبلية والجهوية، فضلا عن ضعف وسائل التحري، والتعويل المفرط على محاضر الشرطة، أو الاعتماد على شهادات غير موثوقة وتقديرات غير دقيقة.
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له العدالة ليس إفلات متهم من العقاب فحسب، وإنما أن يجد إنسان بريء نفسه خلف القضبان، محروما من حريته وسمعته ومستقبله، بسبب تحقيق قاصر أو قرائن غير كافية أو ضغوط خارجية. فإدانة الأبرياء لا تمثل مجرد خطأ في تقدير الوقائع، بل اعتداء مباشر على حقوق الإنسان وكرامته، وتهديدا لثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، أعادت التصريحات المنسوبة إلى الشاب إبراهيم ولد الأدهم بشأن قضية مقتل المرحوم محمدو ولد برّو طرح ملف بالغ الحساسية يتعلق بسلامة الإجراءات القضائية ومدى كفاية الأدلة التي بنيت عليها الأحكام.
فالتعاطف مع أسرة الضحية، والمطالبة بكشف الحقيقة وتقديم الجناة إلى العدالة، حق مشروع لا ينبغي التراجع عنه. لكن ذلك لا يتعارض مطلقا مع ضمان حق المتهم في محاكمة عادلة، ولا مع ضرورة التحقق من كل المعطيات التي قد تثير الشكوك حول سلامة التحقيق أو صحة الأدلة المعتمدة.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة إذا صحت المعطيات المتداولة بشأن نتائج فحوص الحمض النووي التي قيل إنها أجريت في مختبر فرنسي، والتي تفيد بعدم تطابق بعض الآثار البيولوجية مع دماء الضحية. وهي معطيات، إن ثبتت صحتها رسميا، تستوجب التوقف عندها والتعامل معها بمنتهى الجدية، باعتبارها قد تؤثر في تقييم الأدلة وتحديد المسؤوليات.
فالعدالة لا تتحقق بالإصرار على حكم سابق لمجرد أنه صدر عن جهة قضائية، وإنما بامتلاك الشجاعة القانونية والأخلاقية لمراجعته متى ظهرت أدلة جديدة أو مؤشرات جدية تستدعي ذلك.
ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة فحص ملف القضية والتحقق من جميع الأدلة والقرائن، بما يضمن عدم ضياع حق الضحية، وفي الوقت نفسه يحول دون احتمال معاقبة شخص قد تثبت براءته. فالحقيقة وحدها ينبغي أن تكون المرجعية، بعيدا عن ضغط الشارع أو الأحكام المسبقة أو الرغبة في إغلاق الملفات على حساب حقوق الأفراد.
كما أن مسؤولية إصلاح هذا الاختلال لا تقع على القضاء وحده، بل تشمل الأجهزة الأمنية المكلفة بالتحقيق، التي يتعين عليها الالتزام بالموضوعية والمهنية، والابتعاد عن انتزاع الاعترافات أو توجيه الاتهامات بناء على السوابق أو السمعة الاجتماعية أو الاشتباه المجرد.
فكون الشخص من أصحاب السوابق لا يشكل دليلا على ارتكابه جريمة جديدة، كما أن عجز الشرطة عن تحديد الجاني لا يبرر اختلاق متهم أو تحميل بريء مسؤولية جريمة لم تثبت صلته بها. ومن الأفضل أن تظل بعض الجرائم مقيدة ضد مجهول إلى حين ظهور أدلة حقيقية، بدلا من التضحية بحرية إنسان لإرضاء الرأي العام أو إظهار أن التحقيق قد حقق نتيجة.
إن إصلاح المنظومة القضائية الموريتانية يقتضي إرساء آليات فعالة لمراجعة الأحكام، وتعزيز استقلال القضاء، وتطوير وسائل التحقيق الجنائي، وترسيخ مبدأ قرينة البراءة، إلى جانب إقرار حق ضحايا الأخطاء القضائية في الإنصاف والتعويض.
كما ينبغي فتح المجال أمام مراجعة الملفات التي يثير أصحابها ادعاءات جدية بشأن تعرضهم لخلل في التحقيق أو المحاكمة، على أن تتم هذه المراجعة وفق معايير قانونية واضحة، لا بمجرد الادعاءات أو الضغوط الإعلامية.
إن هيبة القضاء لا تُصان بإخفاء أخطائه، وإنما بالاعتراف بها وتصحيحها، والثقة في الشرطة لا تُبنى بكثرة الاعتقالات، وإنما بقدرتها على كشف الحقيقة وتقديم الأدلة الموثوقة.
فالحرية ليست امتيازا تمنحه المؤسسات متى شاءت، بل حق أصيل لا يجوز المساس به إلا وفق القانون والأدلة الثابتة. وحين يُحرم بريء من حريته، فإن الضرر لا يتوقف عند شخصه، بل يمتد إلى أسرته ومحيطه وثقة المجتمع بأسره في العدالة.
لقد آن الأوان لأن تتحول مراجعة الأخطاء القضائية في موريتانيا من مطلب عابر إلى ورش إصلاحي جاد، لأن العدالة التي لا تراجع نفسها معرضة لفقدان ثقة الناس، ولأن إنصاف المظلوم لا يقل أهمية عن معاقبة المجرم.
فالعدالة الحقيقية ليست في أن تصدر الأحكام فحسب، بل في أن تضمن ألا يدفع بريء ثمن جريمة لم يرتكبها.


محمد فال ولد سيدي ميله

بتصرف في الصياغة

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى