ثقافة

إعادة تشكيل معادلة الصراع في الشرق الأوسط: من منطق الحسم إلى استراتيجية الإستنزاف المتعدد الأطراف

لم يعد الصراع في الشرق الأوسط خاضعاً لمنطق “الدولة مقابل الدولة” أو “الجيوش النظامية”، بل تحول إلى شبكة معقدة من المواجهات غير المتكافئة، تتقاطع فيها المصالح الإقليمية مع التحولات الدولية الكبرى (انهيار أحادية القطب، صعود الصين، تراجع النفط كسلاح جيوسياسي). وبينما تحتفظ إسرائيل بتفوقها التكتيكي المدعوم أميركياً، أثبت خصومها غير الدوليين قدرة على إطالة عمر الصراع وتحويله من معركة وجود إلى معادلة استنزاف مفتوحة.

أولاً: المتغيرات الموضوعية الجديدة (2023–2026)

ما بعد طوفان الأقصى (أكتوبر 2023):
كسرت العملية نظرية “الردع الإسرائيلي القائم على التفوق التكنولوجي”، وأظهرت أن الفاعل غير الحكومي قادر على فرض معادلة ميدانية رغم الفارق التقني. لكن الرد الإسرائيلي (حرب غزة 2023–2024) أثبت أيضاً قدرة الدولة القوية على إعادة فرض التفوق عبر التدمير المنهجي للبنية التحتية للمقاومة، وإن كان بثمن سياسي وأخلاقي مرتفع

  1. تراجع أولوية القضية الفلسطينية عالمياً:
    · انشغال الغرب بأوكرانيا وتحديات الصين.
    · تحول دول الخليج نحو رؤية تنموية (رؤية 2030، 2040) تجعل الاستقرار أولوية، لا دعم المقاومة.
    · تراجع دور النفط كورقة ضغط (اكتفاء أميركي، طاقة متجددة).
  2. انهيار الثنائية العربية التقليدية (مانع – مسالم):
    استبدلت بديناميكية جديدة:
    · دول التطبيع الفاعل (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) تتعامل مع إسرائيل اقتصادياً وأمنياً.
    · دول الممانعة الجزئية (قطر، سلطنة عُمان) تلعب وساطة لا مواجهة.
    · دول المواجهة الصامتة (العراق، سوريا، لبنان) تدار من فاعلين إقليميين (إيران، تركيا).
  3. التحولات الداخلية الإسرائيلية:
    أزمة الديمقراطية (التعديلات القضائية 2023)، صعود الأحزاب الدينية القومية، تجاوز نموذج “الجيش الشعبي” نحو احتراف، واستنزاف الاقتصاد بسبب تعبئة الاحتياط المطولة.

ثانياً: الأدلة على انتقال الصراع إلى مرحلة “الاستنزاف النظامي”

المؤشر الدليل
تكرار الجولات العسكرية 4 جولات بين إسرائيل وغزة (2008–2023) ومواجهات مفتوحة منذ 2023، دون حسم.
تعدد الجبهات جبهة غزة، لبنان (حزب الله)، سوريا (فصائل موالية لإيران)، اليمن (الحوثيون – هجمات البحر الأحمر).
العامل الاقتصادي كلفة الدفاع الإسرائيلية تجاوزت 15% من الناتج في 2024، بينما كلفة المقاومة (الوكيلة) تتحملها إيران بتكلفة متدنية نسبياً.
الدعم الأميركي حزمة مساعدات عسكرية لإسرائيل قياسية (14.3 مليار دولار 2024) لكن مع شروط ضمنية لضبط التصعيد.

ثالثاً: توقعات متوازنة (2026–2030)

السيناريو الأكثر ترجيحاً (70%): استمرار إدارة الصراع مع تصعيد منخفض الحدة

· لا حرب إقليمية شاملة (إسرائيل – إيران) بسبب الردع المتبادل غير المباشر.
· استمرار التطبيع الخليجي – الإسرائيلي لكن تحت الطاولة.
· بقاء غزة تحت إدارة مدنية فلسطينية مختلفة (غير حماس)، لكن دون نزع سلاح كامل.
· غياب الحل النهائي مع تآكل بطيء لحل الدولتين.

السيناريو الأقل ترجيحاً (20%): تسوية جزئية كبرى

· بوساطة أميركية – صينية – سعودية، قد تُقدَم إسرائيل على تجميد الاستيطان مقابل تطبيع كامل مع السعودية.
· تمنح السلطة الفلسطينية صلاحيات موسعة مع سيادة اسمية دون جيش.
· لكن هذا الحل سيواجه رفضاً من تيارات المقاومة وغضباً فلسطينياً داخلياً.

السيناريو الاستثنائي (10%): انفجار إقليمي

· إذا امتلكت إيران سلاحاً نووياً أو استهدفت منشآت نفط خليجية، فقد تشن إسرائيل ضربة استباقية كبرى.
· النتيجة: حرب متعددة الجبهات لمدة قصيرة (أسابيع) تنتهي بتدمير قدرات حزب الله وإضعاف إيران لكن دون تغيير جذري في الميزان الفلسطيني.

رابعاً: خلاصة أكاديمية

لم يعد السؤال: من ينتصر؟ بل: من يتحمل أكثر؟

· إسرائيل تنتصر في كل معركة تكتيكية لكنها تخسر استراتيجياً في قدرتها على فرض سلام دائم.
· المقاومة لا تنتصر عسكرياً لكنها تمنع انتصار الخصم.
· العالم العربي والإسلامي أصبح متفرجاً مؤثراً جزئياً، لا لاعباً حاسماً، باستثناء السعودية ومصر كضامنتين للاستقرار الإقليمي.

الجديد الجوهري:
الصراع دخل مرحلة “ما بعد المركزية” – لم يعد مفتاحاً لاستقرار المنطقة كما كان، لكنه يظل قنبلة موقوتة يمكن لأي طرف إشعالها لمنع أي ترتيب إقليمي يستبعده.

التوصية التحليلية:
بدلاً من البحث عن حل نهائي (وهو شبه مستحيل حالياً)، يجب التركيز على إدارة التصعيد وبناء حدود دنيا من التعايش السلبي – وهو ما تفعله مصر وقطر والأمم المتحدة فعلياً، وإن بوسائل غير معلنة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى