ثقافة

موريتانيا تنكر الأخلاق وتتحدى قوانين المنطق البشري

قد يبدو العنوان صادمًا للوهلة الأولى، لكنه لا يقصد إدانة مجتمع بأكمله، بقدر ما ي سعى إلى تسليط الضوء على مفارقات اجتماعية وثقافية أصبحت جزءًا من النقاش اليومي في موريتانيا، كما هي الحال في مجتمعات كثيرة تعيش تحولات عميقة بين الموروث والواقع، وبين القيم المعلنة والممارسات الفعلية.

ففي هذا البلد الذي ظل لعقود طويلة يُقدَّم بوصفه فضاءً للمحاظر والعلم والتدين والتقاليد المحافظة، تتجاور صور متناقضة يصعب أحيانًا فهمها وفق المنطق الاجتماعي التقليدي. فالإنسان الموريتاني يعيش في فضاء تتداخل فيه القبيلة بالدولة، والدين بالمكانة الاجتماعية، والوجاهة الرمزية بالثروة المادية، مما يجعل الأحكام المباشرة عاجزة عن تفسير كثير من الظواهر.

من بين أكثر المفارقات إثارة للتأمل أن المجتمع لا يحاكم الأفراد دائمًا على أساس أفعالهم بقدر ما يحاكمهم على أساس صورتهم العامة. فكم من شخص اكتسب احترامًا واسعًا بفضل مظهره أو نسبه أو مكانته الرمزية، رغم أن سلوكه العملي قد لا ينسجم دائمًا مع تلك الصورة. وفي المقابل، قد يجد آخرون أنفسهم خارج دائرة التقدير الاجتماعي رغم استقامتهم وكفاءتهم لأنهم لا يملكون أدوات الظهور أو النفوذ.

ولا يتعلق الأمر بالدين وحده، رغم أن المجال الديني يقدم أمثلة واضحة على هذه المفارقة. فالتدين الحقيقي قيمة راسخة في المجتمع، ولا يزال كثير من الناس يجسدونه بصدق وإخلاص. لكن المشكلة تظهر حين تتحول بعض الرموز الدينية أو الاجتماعية إلى حصانة غير معلنة تمنع النقد أو المساءلة، فيختلط احترام المقدس بالتسامح مع أخطاء البشر.

وفي المجال الاقتصادي تتجلى مفارقة أخرى لا تقل إثارة. فالمجتمع الذي يدين الفساد نظريًا قد يجد نفسه أحيانًا منبهرًا بنتائجه العملية. فمصدر الثروة لا يثير دائمًا القدر نفسه من الاهتمام الذي تثيره مظاهرها. وحين ينجح المال في شراء المكانة الاجتماعية، يصبح السؤال عن مصدره أقل حضورًا من الاحتفاء بما يوفره من نفوذ وجاه.

أما في الحياة الاجتماعية، فإن الفجوة بين الخطاب والممارسة تبدو أحيانًا واسعة. فالمعايير الأخلاقية المعلنة تظل صارمة في الفضاء العام، لكن الواقع يكشف أن كثيرًا من السلوكيات التي تُدان علنًا تجد من يتسامح معها ضمنيًا حين ترتبط بالمصلحة أو النفوذ أو المكانة الاجتماعية. وهنا لا يعود التناقض مجرد سلوك فردي، بل يتحول إلى آلية اجتماعية لإدارة التوازن بين القيم والمصالح.

وفي المجال السياسي تبرز المفارقة بصورة أوضح. فالصراع السياسي في كثير من الأحيان لا يجري بين مشاريع متناقضة بقدر ما يدور حول المواقع والمكاسب. لذلك كثيرًا ما يصعب على المواطن التمييز بين المعارضة والموالاة، لأن الحدود بينهما تبدو قابلة للتبدل وفق تغير المصالح والظروف. وعندما تصبح السياسة مجالًا لإعادة توزيع الامتيازات أكثر منها ساحة للتنافس حول البرامج، يفقد الخطاب السياسي جزءًا كبيرًا من مصداقيته.

ومع ذلك، فإن اختزال المجتمع الموريتاني في هذه الصور سيكون ظلمًا للحقيقة. فإلى جانب هذه المفارقات توجد نماذج مشرقة من النزاهة والعلم والعمل والتضحية، كما توجد طاقات شبابية تسعى إلى بناء ثقافة جديدة تقوم على الشفافية والكفاءة والمواطنة. غير أن الاعتراف بهذه النماذج لا ينبغي أن يمنع من تشخيص الاختلالات التي تعيق تطور المجتمع والدولة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التناقضات، فكل المجتمعات تعرفها بدرجات متفاوتة، وإنما في القدرة على مواجهتها بصدق. فحين تصبح الصورة أهم من الحقيقة، والرمز أهم من المضمون، والمصلحة أقوى من المبدأ، تدخل المجتمعات في دائرة من الإنكار الجماعي يصعب معها الإصلاح.

ولعل الخطوة الأولى نحو التغيير هي الاعتراف بأن الفضيلة لا تُقاس بالمظهر، وأن النزاهة لا يضمنها النسب، وأن الثروة لا تمنح صاحبها براءة أخلاقية، وأن السياسة لا تستقيم إلا حين تصبح خدمة للشأن العام لا وسيلة للترقي الشخصي.

عندها فقط يمكن للمجتمع أن ينتقل من إدارة التناقضات إلى تجاوزها، ومن التعايش مع المفارقات إلى بناء منظومة قيم أكثر انسجامًا بين ما يُقال وما يُمارس.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى