أحكام إعدام بحق بشار وماهر الأسد تفتح باب الملاحقة الدولية

أعادت أحكام الإعدام الصادرة عن محكمة الجنايات في دمشق بحق الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، إلى جانب رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب، ملف محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في سوريا إلى الواجهة، وطرحت تساؤلات بشأن إمكانية انتقال هذه الأحكام من نطاق القضاء السوري إلى مسار ملاحقة المحكوم عليهم خارج البلاد.
ويمثل الحكم محطة ذات دلالة بالنسبة إلى ضحايا الانتهاكات وذويهم، ولا سيما في درعا، التي ارتبط اسم عاطف نجيب بها على خلفية قضية اعتقال وتعذيب أطفال عام 2011، والتي أصبحت إحدى الوقائع المرتبطة ببدايات الاحتجاجات السورية قبل أن تتوسع إلى مختلف أنحاء البلاد.
لكن صدور حكم قضائي داخل سوريا لا يعني تلقائيا تحوله إلى مذكرة توقيف دولية، كما لا يضمن القبض على الأشخاص المحكوم عليهم الموجودين خارج الأراضي السورية أو تسليمهم إلى السلطات السورية.
هل تنتقل الأحكام إلى الخارج؟
يفتح الحكم من الناحية القانونية الباب أمام اتخاذ إجراءات لاحقة من جانب السلطات السورية، بينها طلب التعاون القضائي مع الدول التي يوجد فيها المحكوم عليهم، أو السعي إلى إصدار مذكرات توقيف وتعميمها دوليا.
وكانت محكمة الجنايات قد أعلنت توجهها إلى طلب ملاحقة المدانين الفارين خارج البلاد وتعميم مذكرات توقيف بحقهم، لكن تنفيذ هذه الخطوات يبقى مرتبطا بإجراءات قانونية منفصلة وبمدى استعداد الدول المعنية للتعاون.
كما أن اللجوء إلى الإنتربول لا يتم بصورة تلقائية بمجرد صدور حكم قضائي محلي، بل يحتاج إلى تقديم طلب وفق الإجراءات والقواعد المنظمة لعمل المنظمة الدولية.
وفي هذا السياق، دعا الأكاديمي والمحلل السياسي السوري كمال عبدو الحكومة السورية إلى التحرك لملاحقة بشار وماهر الأسد عبر الإنتربول، معتبرا أن ملاحقتهما تمثل حقا للضحايا وللسوريين.
غير أن عبدو أشار في الوقت نفسه إلى صعوبة تنفيذ هذه الخطوة، خصوصا في ظل التعقيدات السياسية المرتبطة بوجود بشار الأسد خارج سوريا وعلاقاته بالدولة التي تستضيفه.
روسيا تمثل عاملا حاسما
يرتبط جانب كبير من فرص تنفيذ أي طلب لتسليم بشار أو ماهر الأسد بالموقف الروسي، وفقا للباحث السياسي بسام سليمان، الذي يرى أن موسكو ستكون صاحبة تأثير أساسي في تحديد إمكانية التعاون مع السلطات السورية.
وتكمن أهمية العامل الروسي في أن الوصول إلى المحكوم عليهم خارج سوريا لا يتوقف على صدور الحكم القضائي فحسب، وإنما يحتاج إلى تعاون الدولة التي يقيمون على أراضيها، فضلا عن وجود مسار قانوني يسمح بتنفيذ طلب التوقيف أو التسليم.
وبذلك، فإن الحكم يمثل خطوة قضائية مهمة داخل سوريا، لكنه لا يحسم وحده المعركة القانونية والسياسية اللازمة لتنفيذ العقوبة بحق المحكوم عليهم الموجودين خارج البلاد.
ماذا يعني الحكم على أرض الواقع؟
بحسب ما نقله مراسل الجزيرة صهيب الخلف عن محامي الادعاء، يملك دفاع عاطف نجيب مهلة شهر للطعن في الحكم، وفي حال عدم تقديم الطعن، تستمر المحكمة في إجراءات تنفيذ العقوبة بحقه.
أما بالنسبة إلى بشار وماهر الأسد الموجودين خارج سوريا، فإن الوضع مختلف، إذ يتطلب تنفيذ الأحكام بحقهما الوصول إليهما أولا، سواء عبر القبض عليهما أو من خلال إجراءات التسليم والتعاون القضائي الدولي.
وكان وزير الداخلية السوري قد أكد أن الحكم يجسد مبدأ المحاسبة، وأن الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات بحق الشعب السوري ستتم ملاحقتهم واعتقالهم ومحاسبتهم.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الحكم تحول تلقائيا إلى إجراء دولي قابل للتنفيذ، كما لا يختصر ملف الانتهاكات السورية الواسع في الأشخاص الثلاثة الذين صدرت بحقهم الأحكام.
أهمية الحكم لضحايا درعا
تكتسب قضية عاطف نجيب أهمية خاصة بالنسبة إلى سكان درعا، إذ ارتبط اسمه بقضية الأطفال الذين اعتُقلوا وعُذبوا عام 2011، وهي القضية التي أصبحت واحدة من الوقائع التي سبقت توسع الاحتجاجات في سوريا.
وترى الباحثة في الشبكة السورية لحقوق الإنسان نور عرب أن أهمية القضية لا تتوقف عند المسؤولية الفردية لعاطف نجيب، بل تثير أيضا أسئلة أوسع بشأن طبيعة البنية الأمنية والقيادية التي عمل ضمنها.
لكن إثبات المسؤولية الجنائية للأشخاص الآخرين يظل مرتبطا بكل قضية على حدة، وبما توفره التحقيقات والأدلة والإجراءات القضائية من أساس قانوني.
ويمنح الحكم، في هذا الإطار، ضحايا الانتهاكات وذويهم شعورا بأن قضايا ظلت لسنوات مرتبطة بالتوثيق والشهادات والمطالبات بالمحاسبة أصبحت أمام القضاء بصورة مباشرة.
العدالة الانتقالية تتجاوز العقوبة
لا تقتصر العدالة الانتقالية على إصدار الأحكام والعقوبات، حتى عندما تكون القضايا محل المحاكمة مرتبطة بانتهاكات واسعة وخطيرة.
فالعدالة الانتقالية تشمل أيضا كشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، وجبر أضرار الضحايا، وحفظ الذاكرة، وإصلاح المؤسسات، ووضع ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات مستقبلا.
ومن هذا المنطلق، تمثل الأحكام الصادرة في دمشق مرحلة ضمن مسار أطول، يفترض أن يترافق مع ضمانات المحاكمة العادلة، وحق الدفاع والطعن، وحماية الضحايا والشهود، وإتاحة المجال أمام كشف ملابسات الانتهاكات وتحديد المسؤوليات.
وقالت عضو الهيئة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية ياسمين مشعان إن الحكم يمثل خطوة في طريق طويل لبناء المساءلة وسيادة القانون، مؤكدة ضرورة ربط العقوبة بحقوق الضحايا وكشف الحقيقة وجبر الضرر.
وأشارت إلى أن رسائل من عائلات الضحايا جمعت بين مشاعر الترحيب بالحكم والحزن على من فقدوهم، في حين لا يزال كثيرون يرون أن الإنصاف الكامل يتطلب مسارا أطول من مجرد صدور العقوبة.
بين المحاسبة والانتقام
ويرى الكاتب والباحث السياسي عباس شريفة أن الحكم يمكن أن يشكل جزءا من مسار العدالة الانتقالية إذا ترافق مع المحاسبة وكشف الحقيقة وإنصاف ذوي الضحايا، إلى جانب ضمان علنية المحاكمات واحترام الإجراءات القانونية.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين العدالة والانتقام، إذ إن نجاح مرحلة ما بعد النزاع لا يقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة، وإنما بقدرة المؤسسات القضائية على تطبيق القانون بصورة عادلة وشفافة، وتحديد المسؤوليات بناء على الأدلة وليس على الاعتبارات السياسية.
وبالنسبة إلى قضية عاطف نجيب، يعيد الحكم ملف أطفال درعا إلى الواجهة بوصفه قضية حقوقية وقضائية، وليس مجرد واقعة تاريخية مرتبطة ببدايات الاحتجاجات السورية.
وفي المحصلة، تشكل أحكام الإعدام الصادرة في دمشق محطة مهمة في مسار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، لكنها لا تمثل نهاية الطريق. فتنفيذ الأحكام بحق المحكوم عليهم الموجودين خارج سوريا سيظل مرتبطا بالتعاون القضائي والدولي والمواقف السياسية للدول المعنية، بينما ستبقى قدرة القضاء السوري على توسيع التحقيقات وضمان المحاكمات العادلة عاملا أساسيا في تحديد مستقبل مسار العدالة الانتقالية في البلاد.









