صحة

الحياة بعد سرطان الثدي في الأردن.. ناجيات يواجهن الخوف ويستعدن تفاصيل حياتهن

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

لا تنتهي رحلة سرطان الثدي بالضرورة مع آخر جلسة علاج أو مغادرة المستشفى، فبالنسبة إلى كثير من الناجيات، تبدأ بعدها مرحلة جديدة لا تقل أهمية، يحاولن خلالها استعادة حياتهن اليومية، والتكيف مع التغيرات التي طرأت على أجسادهن، والتعامل مع المخاوف المرتبطة باحتمال عودة المرض.

وفي الأردن، حيث يُعد سرطان الثدي الأكثر شيوعا بين النساء، تُقدّر الإصابات بين الأردنيات بنحو 550 حالة سنويا، وفق معلومات قدمها مركز الحسين للسرطان. وخلف هذه الأرقام تجارب شخصية لنساء وجدن أنفسهن أمام تحدٍ جديد بعد العلاج: كيف يمكن البدء من جديد؟

ومن خلال شهادات خاصة، تروي 3 أردنيات كيف تغيرت حياتهن بعد العلاج، وما واجهنه من مخاوف وتحديات، وكيف حاولت كل واحدة منهن استعادة تفاصيل حياتها بطريقتها الخاصة.

حياة تغيرت 180 درجة

لم تكن تجربة الإصابة بسرطان الثدي بالنسبة إلى الأردنية رشا صوالحة مجرد مرحلة علاج انتهت بالتعافي، بل شكلت نقطة تحول دفعتها إلى إعادة النظر في أولويات حياتها.

ففي عام 2023، شُخصت صوالحة بسرطان الثدي في مرحلته الثالثة، بعدما امتد المرض إلى العقد اللمفاوية. وخضعت للعلاج الكيميائي والمناعي والإشعاعي، إلى جانب عمليات جراحية شملت استئصال الثدي المصاب والثدي الآخر بصورة وقائية، فضلا عن المبيضين، لأسباب مرتبطة باستعداد وراثي يزيد خطر الإصابة.

ورغم صعوبة العلاج وآثاره، حرصت صوالحة على الاستمرار في وظيفتها، وكانت تنظم مواعيد الجرعات العلاجية بما يتيح لها بضعة أيام للراحة قبل العودة إلى العمل.

وتقول إن الاستمرار في العمل ساعدها نفسيا على تجاوز فترة العلاج، ومنحها شعورا بأنها لا تزال قادرة على ممارسة حياتها رغم المرض.

لكن بعد نحو عام من انتهاء العلاج، غادرت وظيفتها إثر إعادة هيكلة المؤسسة التي كانت تعمل بها. وترى أن هذا التغيير أتاح لها فرصة للتفرغ بصورة أكبر لصحتها والتعافي من الضغوط التي مرت بها.

وتضيف: «أعطيت وقتا أكبر لصحتي، وصرت أذهب إلى النادي وأسبح وأمارس الرياضة وأمشي وألتقي صديقاتي أكثر».

وتصف صوالحة التجربة بأنها غيرت حياتها «180 درجة»، إذ أصبحت أكثر اهتماما بصحتها وعلاقاتها الاجتماعية وحياتها الروحية، وأعادت ترتيب أولوياتها بما يمنحها مساحة أكبر للاهتمام بنفسها.

خوف يرافق الناجيات

لا يعني انتهاء العلاج بالضرورة زوال القلق، إذ يظل احتمال عودة السرطان أحد أبرز المخاوف التي تواجه بعض الناجيات، خصوصا مع اقتراب مواعيد الفحوص الطبية وانتظار نتائجها.

وتقول صوالحة إن هذا الخوف شائع بين من خضن تجربة المرض، لكنها تحاول ألا تسمح له بالسيطرة على حياتها، مع الالتزام بالمتابعة الطبية والانتباه إلى أي تغيرات صحية غير معتادة.

وتعرف الأردنية رولاند البواب هذه المشاعر جيدا، بعدما أصيبت بسرطان الثدي مرتين، تفصل بينهما نحو 5 سنوات.

كانت رولاند في الرابعة والثلاثين من عمرها عندما شُخصت إصابتها الأولى قبل نحو 18 عاما، وكانت حينها أما لأربعة أطفال، أكبرهم في الثانية عشرة وأصغرهم في الثالثة والنصف.

ووصل المرض إلى المرحلة الثالثة، فخضعت لعملية جراحية أعقبتها جلسات من العلاج الكيميائي والإشعاعي، إلى جانب العلاج الهرموني.

وبعد 5 سنوات، كشفت المتابعة الدورية عن إصابة ثانية في مرحلة مبكرة، استدعت تدخلا جراحيا وعلاجا إشعاعيا وهرمونيا، من دون الحاجة هذه المرة إلى العلاج الكيميائي.

ورغم مرور سنوات طويلة على التجربتين، تقول رولاند إن الخوف من عودة السرطان لا يختفي تماما، وقد يتجدد عند إجراء الفحوص وانتظار نتائجها.

وتضيف: «بالآخر إحنا بشر»، موضحة أنها تحاول التعامل مع هذه المشاعر من خلال الالتزام بالمتابعة الطبية، بدلا من السماح للقلق بالتأثير في تفاصيل حياتها اليومية.

التصالح مع جسد مختلف

لا تقتصر آثار سرطان الثدي على الخوف من عودته، إذ قد تترك الجراحة والعلاجات تغيرات جسدية تؤثر في نظرة المرأة إلى نفسها، خصوصا إذا خضعت لاستئصال الثدي.

وترى رولاند أن تقبل هذه التغيرات ليس سهلا على جميع النساء، في ظل ارتباط الثدي بصورة الأنوثة لدى كثيرات، واختلاف قدرة كل امرأة على التكيف مع فقدانه أو تغير شكله.

وتوضح أن بعض الناجيات يخترن إجراء عمليات لترميم الثدي، بينما تفضل أخريات التكيف مع التغيرات الجسدية من دون الخضوع لتدخلات إضافية، مؤكدة أن لكل امرأة تجربتها الخاصة في التعامل مع جسدها بعد المرض.

وتبرز في هذا السياق أهمية خدمات الدعم والتأهيل التي تساعد المريضات على تجاوز الآثار الجسدية والنفسية للعلاج.

ويوفر مركز الحسين للسرطان، بحسب المعلومات المقدمة، حمّالات صدر خاصة للنساء اللواتي خضعن للجراحة، وخيارات للشعر المستعار، إلى جانب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والعلاج الطبيعي والتغذية.

كما تضم عيادة سرطان الثدي التثقيفية منسقي تمريض سريريين ومتخصصين وناجيات يشاركن المريضات تجاربهن، ويساعدنهن على فهم مراحل العلاج والتعامل مع آثاره.

من تلقي الدعم إلى تقديمه

بالنسبة إلى رولاند البواب، لم تتوقف تجربتها عند استعادة حياتها الشخصية، بل امتدت إلى مساعدة نساء أخريات يخضن رحلة العلاج نفسها.

فقد انضمت إلى مجموعة «سند» المعنية بتقديم الدعم الاجتماعي والنفسي لمرضى سرطان الثدي، وأصبحت تشارك مع ناجيات أخريات في زيارة المريضات اللواتي يتلقين العلاج الكيميائي، لتقديم الدعم المعنوي ومشاركة تجاربهن الشخصية.

وتقول إن الرسالة التي تحرص على إيصالها إليهن بسيطة: «أنتم مش لحالكم، وإحنا مرينا بهاي التجربة».

وتجد رولاند في حياتها الحالية امتدادا لهذه الرسالة؛ فالأطفال الذين كانت تخشى عليهم عند إصابتها الأولى كبروا، وتخرجوا من المدارس والجامعات، والتحقوا بسوق العمل، كما احتفلت قبل أسابيع بزواج أحد أبنائها.

أما رشا صوالحة، فاختارت مشاركة تجربتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأنشأت صفحات باسم «رشا صوالحة – تشافي»، تتناول فيها تجربتها مع المرض، وأهمية الكشف المبكر والاهتمام بالنفس والصحة.

وتعكس تجربتا المرأتين كيف يمكن لبعض الناجيات تحويل ما مررن به إلى مصدر للدعم والتوعية، رغم اختلاف الطرق التي تتعامل بها كل امرأة مع آثار المرض.

حين تتحول حماية الأسرة إلى عبء

في حين تواجه بعض الناجيات صعوبة في التكيف مع التغيرات الجسدية أو الخوف من عودة المرض، تجد أخريات أن استعادة حياتهن الطبيعية تتطلب أيضا تغيير نظرة المحيطين بهن.

وهذا ما واجهته الأردنية ميسون طه بعد انتهاء علاجها من سرطان الثدي، إذ استمرت أسرتها في التعامل معها باعتبارها مريضة تحتاج إلى الحماية والرعاية المستمرة.

وتقول ميسون إن خوف أفراد أسرتها عليها دفعهم أحيانا إلى منعها من القيام بأعمال اعتادت إنجازها، ومراقبة حركتها ومدى شعورها بالتعب.

ورغم إدراكها أن هذا السلوك نابع من محبتهم وقلقهم على صحتها، فإنها شعرت بالحاجة إلى استعادة استقلاليتها وقدرتها على اتخاذ قراراتها وممارسة حياتها من دون قيود مبالغ فيها.

ومع مرور الوقت، بدأت تستعيد أدوارها داخل المنزل، وتشارك في المناسبات العائلية والأنشطة التي ابتعدت عنها خلال العلاج.

وتوضح أن اللحظة التي شعرت فيها بعودتها الحقيقية إلى الحياة لم تكن عند انتهاء جلسات العلاج، بل عندما توقف أفراد أسرتها عن سؤالها باستمرار عما إذا كانت تشعر بالتعب، وعادوا إلى التعامل معها بصورة طبيعية.

وبالنسبة إليها، لم يكن المطلوب أن تتوقف الأسرة عن الاهتمام بصحتها، بل أن تمنحها المساحة التي تحتاج إليها لاستعادة حياتها وثقتها بقدراتها.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى