اقتصاد

موجات الحر تعجّل نضج المحاصيل في أوروبا وتهدد إنتاج الذرة والقمح

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

شهدت مناطق واسعة من أوروبا خلال عام 2026 موجات متكررة من الحر الشديد بدأت منذ أواخر مايو/أيار، مما أدى إلى تسارع ملحوظ في دورة نمو المحاصيل الزراعية ونضجها قبل مواعيدها المعتادة، بالتزامن مع تراجع إنتاج محاصيل رئيسية مثل الذرة والقمح بفعل ارتفاع درجات الحرارة والجفاف.

وتظهر بيانات أوروبية أن الذرة وبذور اللفت والقمح الشتوي وصلت إلى مراحل النضج خلال 2026 في وقت أبكر بكثير مقارنة بما كان عليه الوضع مطلع القرن، في مؤشر واضح على التأثير المتزايد للتغيرات المناخية في الزراعة الأوروبية.

المحاصيل تنضج قبل موعدها بأسابيع

وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن القمح الشتوي بلغ مرحلة النضج في بعض مناطق الاتحاد الأوروبي قبل الموعد المعتاد بنحو 20 يوما مقارنة بعام 2000، فيما سُجلت فترات تبكير مماثلة في نضج الذرة وبذور اللفت.

وقال هيرمان غريف، النقابي في قطاع الزراعة الألماني، إن ذروة حصاد الذرة كانت قبل أكثر من عقدين تقع عادة بين 14 و16 سبتمبر/أيلول، بينما أصبح الحصاد في الوقت الراهن يبدأ في أوائل الشهر نفسه.

وأوضح أن التغير نفسه يطال محاصيل أخرى، مشيرا إلى أن حصاد القمح كان يتم عادة خلال الأسبوع الثاني من أغسطس/آب، بينما أصبح من الممكن حصاده في بعض الأحيان خلال الأيام الأخيرة من يوليو/تموز.

وعادة ما تبدأ عمليات الحصاد بعد مرور ما بين 10 و20 يوما على بلوغ المحصول مرحلة النضج، إلا أن هذه الفترة تختلف بحسب نوع المحصول والبلد والظروف المناخية خلال الموسم.

الحرارة تسرّع دورة نمو النباتات

ويرتبط تسارع النضج بارتفاع درجات الحرارة التي تؤثر مباشرة في المراحل الفسيولوجية لنمو النباتات.

وقال سيباستيان بونسليت، كبير المحللين في شركة أرغوس، إن نمو النبات يعتمد بدرجة كبيرة على تراكم وحدات الحرارة المطلوبة للانتقال من مرحلة نمو إلى أخرى وصولا إلى النضج.

وأضاف أن ارتفاع درجات الحرارة، حتى بمقدار محدود، يؤدي إلى تراكم هذه الوحدات بوتيرة أسرع، وهو ما يختصر دورة النمو ويدفع المحاصيل إلى النضج والحصاد في وقت مبكر.

لكن التبكير في النضج لا يعني بالضرورة تحسن الإنتاج، إذ يمكن أن تؤدي الحرارة المرتفعة والجفاف إلى تقليص الفترة التي تتاح فيها للنبات فرصة النمو وتكوين الحبوب، وهو ما ينعكس سلبا على حجم المحصول.

الذرة الأكثر تضررا في فرنسا

وتكشف البيانات عن أضرار كبيرة لحقت بمحاصيل الذرة نتيجة الظروف الجوية القاسية.

فبحسب بيانات وكالة الزراعة الحكومية الفرنسية الصادرة في نهاية أغسطس/آب، لم يكن سوى 27% من محصول الذرة في فرنسا مصنفا ضمن حالتي الجيد أو الممتاز حتى 31 أغسطس، وهي أدنى نسبة تسجلها الوكالة منذ بدء سجلاتها عام 2011.

وكانت الذرة المحصول الأكثر تأثرا بموجات الحرارة والجفاف التي ضربت أجزاء واسعة من البلاد.

وتوقعت وزارة الزراعة الفرنسية انخفاض إنتاج حبوب الذرة بنسبة 35% مقارنة بالعام السابق، بينما قدر محللون أن التراجع قد يصل إلى نحو النصف، وهو ما سيضع الإنتاج عند أدنى مستوى له منذ عام 1976.

الجفاف يضغط على إنتاج الغذاء

ولا تقتصر تداعيات الطقس المتطرف على تسريع نضج المحاصيل، إذ يهدد الجفاف وارتفاع الحرارة إنتاج الغذاء في عدد متزايد من المناطق الزراعية الأوروبية.

وتزامنت هذه الظروف مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالميا خلال أغسطس/آب، بحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، التي أرجعت جانباً من ارتفاع الأسعار إلى تأثيرات الطقس والتوترات الجيوسياسية.

وارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء بنسبة 1.9% خلال أغسطس/آب مقارنة بالشهر السابق، وبنسبة 2.5% على أساس سنوي، فيما سجلت أسعار السكر أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الأسواق الزراعية ضغوطا متزايدة من انخفاض الإنتاج في بعض المناطق واضطراب الإمدادات العالمية.

إيطاليا تسجل صيفا قياسيا

وفي إيطاليا، أعلن معهد الاقتصاد الحيوي التابع للمجلس الوطني للبحوث أن البلاد شهدت خلال 2026 أشد فصل صيف حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1950، بمتوسط بلغ 24.3 درجة مئوية.

وكان أغسطس/آب الأكثر حرارة خلال العام، إذ بلغ متوسط درجات الحرارة فيه 25.6 درجة مئوية، أي أعلى بـ5.2 درجات من متوسط الفترة بين 1951 و1980، وبـ3.5 درجات من المعدل المسجل بين 1991 و2020.

وتستند هذه القياسات إلى درجات الحرارة المسجلة على ارتفاع مترين فوق سطح الأرض.

وقال الباحث في المعهد لورنزو أركيدياكو إن متوسط أغسطس 2026 تجاوز الرقم القياسي السابق البالغ 24.6 درجة مئوية والمسجل عام 2024، وكذلك مستوى 24 درجة الذي سجل في أغسطس 2017.

وأضاف أن المؤشرات الحالية ترجح أن ينتهي عام 2026 باعتباره الأكثر حرارة في إيطاليا منذ بدء تسجيل البيانات، مشيرا إلى أن يوليو/تموز وأغسطس/آب كانا الأكثر حرارة على الإطلاق.

أوروبا أمام تحديات زراعية ومناخية متزايدة

وتواجه أوروبا، التي تشهد ارتفاعا في درجات الحرارة بوتيرة أسرع من مناطق أخرى في العالم، تداعيات متصاعدة للحرارة الشديدة، من بينها الجفاف وحرائق الغابات وتراجع إنتاج بعض المحاصيل.

وتعرضت مناطق زراعية واسعة خلال الصيف لظروف قاسية أدت إلى تسريع نضج المحاصيل من جهة، وتقليص إنتاجيتها من جهة أخرى، ما يزيد الضغوط على الأسواق الغذائية.

كما سجلت بريطانيا خلال 2026 أشد فصل صيف حرارة منذ بدء جمع البيانات، في مؤشر إضافي على اتساع نطاق الظاهرة المناخية وتأثيراتها المتزايدة على الزراعة والإمدادات الغذائية في القارة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى