فضاء الرأي

صناعة النجم… بين الصورة والحقيقة

ليس أصعب من أن يكون الإنسان كبيرًا، وليس أسهل من أن يبدو كذلك.

لقد تغير العالم. ففي الماضي، كانت المكانة ثمرة سنواتٍ من العمل، وامتحانٍ طويل أمام الناس، وكانت النجومية اعترافًا اجتماعيًا لا يُمنح إلا لمن استحقه. أما اليوم، فقد أصبحت صناعة النجوم صناعةً قائمة بذاتها؛ تصنعها الصورة أكثر مما يصنعها الواقع، وتغذيها منصات التواصل أكثر مما يغذيها التاريخ.

في عصر الإنترنت، لم يعد الوصول إلى الناس معضلة، بل أصبح الوصول إلى عقولهم وقلوبهم هو التحدي الحقيقي. فكل من امتلك هاتفًا، أو أحسن إدارة صورته، أو وجد من يروج له، يستطيع أن يبدو أكبر مما هو، وأن يصنع حول نفسه هالةً من النفوذ قد تخدع المتابعين، لكنها لا تستطيع أن تخدع صاحبها.

وهنا تكمن المفارقة.

فالإنسان قد ينجح في إيهام الناس بأنه نجم، لكنه يعجز عن إقناع نفسه بذلك. لأنه وحده يعلم مقدار ما في المشهد من صناعة، وما فيه من حقيقة. ويعرف أن التصفيق الذي يسمعه ليس كله اقتناعًا، وأن الوجوه التي تزاحمت حوله لم تجتمع كلها حبًا فيه.

ولذلك فإن أكثر الناس معرفةً بزيف النجومية المصطنعة هم الذين صنعوها.

ويحضرني في هذا المقام ما يروى عن طالبٍ اغترب عن أهله طلبًا للعلم، فلقي رجلًا قال له إنه قادم من عندهم، وأخذ يحدثه عن أحوالهم، فابتسم الطالب وقال: “يأتيني من عند أهلي من أنا أعرف منه بحالهم.” لقد أدرك أن صاحب الشأن أدرى بحقيقة شأنه من كل من يروي أخباره.

ويقول مثلنا الشعبي عن رجلٍ زهد في زوجته، فجاءته بعض النسوة يعددن له محاسنها وزينتها، فقال: “أنا أعرف بها من آمجون.” وآمجون نوعٌ من الحلي تتزين به النساء. والمعنى بليغ؛ فلا أحد يعرف الحقيقة أكثر ممن عاشها.

وهكذا هم أولئك الذين تُسخر لهم وسائل الدولة، وتفتح لهم الإدارات، وتُسخر لهم وسائل النقل، ويُنفق المال العام أو النفوذ العام في صناعة مشهدٍ يوحي بأنهم أصحاب شعبية جارفة. إنهم يعلمون، قبل غيرهم، أن كثيرًا من تلك الحشود لم يأت اقتناعًا، وإنما جاء بدافع المنفعة، أو المجاملة، أو الحاجة، أو الامتثال.

وقد يخدعون بعض الناس، لكنهم لا يخدعون أنفسهم.

والأدهى من ذلك أنهم لا يخدعون إلا فئةً من ضعاف البصيرة، أو أصحاب المصالح، أو أولئك الذين يتظاهرون بالانخداع لأن في ذلك نصيبًا من منفعة أو عربونًا من عطية.

أما أصحاب الوعي، فإنهم يميزون دائمًا بين النفوذ الذي تصنعه الدولة، والنفوذ الذي تصنعه الثقة؛ بين من يجمع الناس بالحافلات، ومن يجمعهم بالفكرة؛ بين من تملأ صورته الشاشات، ومن يملأ أثره وجدان الناس.

إن التاريخ لا يقيس الرجال بعدد من وقفوا في الساحات، وإنما بما بقي من أثرهم بعد أن تنفض الساحات، وتنطفئ الكاميرات، ويعود كل شيء إلى حجمه الطبيعي.

فالنجوم الصناعية كثيرة… لكنها تعيش بقدر ما تبقى الأضواء مسلطة عليها. فإذا انطفأت الأضواء، عاد كل شيء إلى حقيقته، وبقي النجم الحقيقي وحده، لأنه لم يكن يستمد نوره من عدسة كاميرا، بل من ثقة الناس فيه.

حمادي سيدي محمد آباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى