المعارضة الموريتانية وتحولات الزمن السياسي

جميل أن تظهر المعارضة الموريتانية بهذا الحجم من الحضور الجماهيري والتفاعل السياسي- في مهرجانها الأخير- لأن وجود معارضة قوية وفاعلة يظل شرطا أساسيا من شروط التوازن الديمقراطي، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين كانت هذه الجماهير، وأين كان مؤطروها وناشطوها، طوال مأمورية ونيف من حكم محمد ولد الشيخ الغزواني؟
فالمشهد السياسي الموريتاني عرف خلال السنوات الماضية حالة من الهدوء النسبي، بل إن بعض قوى المعارضة بدت وكأنها فقدت القدرة على التعبئة، أو دخلت في نوع من التعايش السياسي مع السلطة، الأمر الذي جعل الشارع يتساءل عن أسباب هذا الغياب الطويل، قبل أن تعود بعض الأصوات فجأة إلى واجهة المشهد بخطاب حاد وحضور مكثف.
إن سرعة ظهور المعارضة في بعض المحطات تقابلها ـ في أحيان كثيرة ـ سرعة اختفاء مماثلة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة هذا الحضور: هل هو حضور مؤسس على برامج ورؤى سياسية بعيدة المدى؟ أم أنه مجرد تفاعل ظرفي تفرضه لحظة سياسية أو استحقاق انتخابي أو أزمة اجتماعية عابرة؟
لقد أثبتت التجارب السياسية في موريتانيا أن المعارضة التي ترتبط بالأحداث الآنية وحدها سرعان ما تخفت بمجرد تغير الظروف، بينما تبقى المعارضة الحقيقية هي تلك القادرة على مواصلة العمل الميداني، وتأطير الجماهير، والدفاع عن قضايا المواطنين في أوقات الهدوء كما في أوقات الأزمات.
ومن الملاحظ كذلك أن جزءا من الرأي العام أصبح أكثر تحفظا تجاه الخطابات السياسية التقليدية، بسبب تكرار مشاهد الاصطفاف والانقسام، ثم العودة إلى التوافقات المفاجئة، وهو ما خلق نوعا من فقدان الثقة لدى المواطن البسيط الذي ينتظر من الطبقة السياسية ـ معارضة وموالاة ـ معالجة همومه اليومية المرتبطة بالتعليم والصحة والبطالة وغلاء المعيشة.
إن المعارضة ليست مجرد مهرجانات جماهيرية أو بيانات سياسية موسمية، بل هي مشروع وطني متكامل يقوم على الاستمرارية والوضوح والقدرة على تقديم البدائل. كما أن قوة أي معارضة لا تقاس فقط بحجم الحشود، وإنما بمدى قدرتها على التأثير في الوعي العام وصناعة الأمل لدى المواطنين.
وبين سرعة الظهور وسرعة الاختفاء، يبقى السؤال مطروحا: هل تنجح المعارضة الموريتانية في التحول من رد فعل ظرفي إلى فعل سياسي دائم ومؤثر؟ أم أن المشهد سيظل أسير موجات الصعود المؤقت التي لا تلبث أن تتراجع مع أول تغير في اتجاه الريح السياسية؟








