ارتفاع أسعار النفط.. من يربح من أزمات الطاقة العالمية؟

أثار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي أدلى به منتصف مارس/آذار الماضي بعد أسبوعين من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، موجة واسعة من الانتقادات، بعدما اعتبره مراقبون مؤشرا على أن أهداف الحرب تتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية إلى مصالح اقتصادية مباشرة.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اضطلعت الولايات المتحدة بدور رئيسي في تأمين أسواق الطاقة العالمية، باعتبارها وريثة النفوذ البريطاني في هذا المجال، وهو ما يفسر حضورها العسكري المستمر في منطقة الشرق الأوسط.
ومع إغلاق مضيق هرمز وإعلان واشنطن بدء حصار للموانئ الإيرانية عقب تعثر المفاوضات بين طهران وواشنطن في باكستان، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من الضغوط التضخمية، بفعل القفزة الكبيرة في أسعار النفط.
فقد ارتفع سعر خام برنت بأكثر من 50% منذ بداية الحرب، بعدما صعد من 70 دولارا للبرميل إلى أكثر من 110 دولارات خلال أقل من شهر، قبل أن يتراجع مؤقتا إلى ما دون 100 دولار إثر إعلان وقف إطلاق النار، ثم يعاود الارتفاع مجددا مع بداية الأسبوع الحالي.
أسباب الارتفاع
تتعدد العوامل التي تقف وراء صعود أسعار النفط، إلا أن أبرزها حاليا يتمثل في إغلاق إيران لمضيق هرمز، ثم محاولات الولايات المتحدة فرض حصار بحري على صادراتها، إلى جانب الهجمات التي طالت منشآت الطاقة في المنطقة.
ويخشى خبراء الاقتصاد من أن تؤدي هذه التطورات إلى استمرار الأسعار المرتفعة لفترة أطول، خاصة إذا عادت المواجهات العسكرية خلال الأسابيع المقبلة.
الخاسرون من الأزمة
عادة ما ينصب التركيز على الدول المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة، وهي في مقدمتها الدول المستوردة للنفط، مثل الصين واليابان ومعظم اقتصادات شرق آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية احتياجاتها.
كما يتضرر الاقتصاد الأمريكي نفسه، رغم امتلاكه اكتفاء نسبيا بفضل طفرة النفط الصخري، لأن النفط سلعة عالمية، وأي ارتفاع في أسعار الخام بالخليج ينعكس تلقائيا على الأسعار داخل السوق الأمريكية.
ولا يقتصر الأثر على الوقود فقط، بل يمتد إلى تكاليف الإنتاج والشحن والنقل، مما يضعف الطلب العالمي ويزيد من الضغوط التضخمية.
الرابحون التقليديون
في المقابل، تستفيد الدول المصدرة للنفط من هذه القفزات السعرية، حيث ترتبط ميزانياتها ومعدلات النمو لديها بشكل مباشر بأسعار الخام.
وتظهر هذه العلاقة بوضوح في اقتصادات الخليج، التي يشكل قطاع النفط والغاز فيها ما بين 25% و60% من الناتج المحلي، مقارنة بنحو 7% فقط في الولايات المتحدة.
لكن الاستفادة الخليجية الحالية تبقى محدودة بسبب تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز، وإن كانت الفرصة قائمة لتحقيق مكاسب كبيرة عند استئناف الملاحة وتدفق الصادرات مجددا.
شركات الطاقة الأمريكية في الصدارة
رغم تضرر المستهلك الأمريكي، فإن شركات النفط والغاز الأمريكية تعد من أبرز المستفيدين من الأزمة، خاصة مع تراجع إمدادات المنافسين.
وفي عام 2025، بلغ متوسط إنتاج الولايات المتحدة نحو 13.5 مليون برميل يوميا، لتتصدر قائمة المنتجين العالميين، تليها روسيا ثم السعودية.
أما في الغاز الطبيعي، فقد استحوذت واشنطن على نحو 22% من الإنتاج العالمي، وأصبحت في السنوات الأخيرة أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، متقدمة على قطر وأستراليا.
وتجربة عام 2022، خلال الحرب الروسية الأوكرانية، تقدم نموذجا واضحا لذلك، إذ حققت شركات النفط والغاز العالمية أرباحا بلغت 916 مليار دولار، كان نصيب الشركات الأمريكية منها 301 مليار دولار.
وسجلت شركة إكسون موبيل أرباحا قياسية بلغت 56 مليار دولار، بينما حققت شيفرون 36.5 مليار دولار.
المكاسب الخفية للقطاع المالي
ولا تقف الأرباح عند شركات الطاقة، بل يمتد النصيب الأكبر إلى القطاع المالي العالمي، خاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا.
فالنفط لم يعد مجرد سلعة مادية، بل تحول إلى أداة مالية يجري تداولها عبر العقود الآجلة والمشتقات وصناديق التحوط.
وتعد بورصة شيكاغو مركز تسعير خام غرب تكساس، بينما تستضيف لندن عقود خام برنت، وهما المرجعان الأساسيان لتسعير النفط عالميا.
كما تهيمن لندن على نحو 45% من سوق تأمين النفط العالمي، وهو قطاع ترتفع أرباحه بشدة في أوقات الحروب والتوترات الجيوسياسية.
ويحقق مديرو صناديق التحوط والمؤسسات الاستثمارية الكبرى مكاسب ضخمة من تقلبات الأسعار، مستفيدين من سرعة التداول وحساسية الأسواق للتصريحات السياسية.
توزيع غير عادل للأرباح
تشير دراسات حديثة إلى أن أرباح أزمات الطاقة لا تتوزع بالتساوي، بل تتركز لدى النخب المالية وكبار المساهمين.
فمن أصل 336 مليار دولار من أرباح قطاع النفط والغاز داخل الولايات المتحدة عام 2022، ذهب نحو 171 مليار دولار إلى مديري الأصول والشركات الاستثمارية الكبرى مثل بلاك روك وفانغارد وستيت ستريت.
كما أظهرت البيانات أن 50% من إجمالي الأرباح ذهبت إلى أغنى 1% من سكان العالم، بينما استحوذ أغنى 10% على 84% منها، في حين لم يحصل أفقر نصف السكان في الولايات المتحدة سوى على 1% فقط.
ثروة تصعد إلى الأعلى
تعكس هذه الأرقام حقيقة أن ارتفاع أسعار النفط لا يولد مكاسب اقتصادية عامة، بقدر ما يعيد توزيع الثروة نحو الفئات الأكثر ثراء.
فكل أزمة طاقة جديدة تعني أرباحا أكبر لشركات النفط، ومكاسب أوسع للمؤسسات المالية، بينما يتحمل المستهلكون حول العالم كلفة التضخم وارتفاع الأسعار.









