الدول الصناعية تفعّل احتياطاتها النفطية لمواجهة اضطرابات الإمدادات وتقلبات الأسعار

تتجه الدول الصناعية إلى استخدام أدواتها النفطية الاحترازية، وفي مقدمتها التمييز بين المخزون التجاري والمخزون الإستراتيجي، باعتبارهما آليتين مختلفتين لإدارة الأزمات ومواجهة اضطرابات الأسواق.
ويُستخدم المخزون التجاري عادة للتعامل مع تقلبات الأسعار قصيرة الأجل وضمان استقرار السوق المحلية، في حين يُحتفظ بالمخزون الإستراتيجي للحالات الطارئة الكبرى المرتبطة بالأزمات الحادة أو انقطاع الإمدادات لفترات طويلة.
الصين تسحب من المخزون التجاري
في هذا الإطار، قررت الحكومة الصينية السماح لشركات التكرير الحكومية بسحب مليون برميل يومياً من احتياطاتها التجارية حتى يونيو/حزيران المقبل، في محاولة لاحتواء صدمة نقص الإمدادات والحد من تقلبات الأسعار التي أشعلتها تداعيات الحرب.
وتستهلك الصين نحو 16 مليون برميل يومياً، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات تهديداً مباشراً لنمو اقتصادها واحتمال دخوله في حالة ركود.
وتُعد الاحتياطيات الصينية الأكبر عالمياً، إذ تقدر بنحو 1.4 مليار برميل، موزعة بعناية بين مخزونات تجارية تبلغ نحو 851 مليون برميل موجودة في المصافي والموانئ، واحتياطي إستراتيجي حكومي يقدر بـ413 مليون برميل، إلى جانب مخزونات تحت الأرض تُعامل كخط دفاع أخير.
اليابان تبحث عن بدائل لمضيق هرمز
وعلى النهج ذاته، أعلنت رئيسة وزراء اليابان، ساناي تاكايتشي، أن بلادها تعمل على تأمين وارداتها النفطية عبر مسارات بديلة لا تمر بمضيق هرمز، مع قرار بالسحب من الاحتياطيات لتغطية 20 يوماً إضافياً.
وتعتمد اليابان على نفط الخليج لتلبية نحو 95% من احتياجاتها، فيما أكدت تاكايتشي أن البلاد ستتمكن بحلول مايو من تأمين أكثر من نصف وارداتها عبر طرق بديلة، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
تحركات خليجية لإعادة تنظيم الشحنات
في المقابل، كشفت مصادر لوكالة رويترز أن منتجي النفط في الشرق الأوسط طلبوا من المصافي الآسيوية تحديد جداول تحميل الشحنات للشهرين الحالي والمقبل، استعداداً لاحتمال استئناف التصدير عبر مضيق هرمز.
ويعكس هذا التحرك مساعي المنتجين لإعادة تنظيم الإمدادات وسط استمرار حالة عدم اليقين بشأن أمن الملاحة والطاقة في المنطقة.
الأسعار قرب 100 دولار رغم الخسائر الأسبوعية
وتأتي هذه التطورات في وقت استقرت فيه أسعار النفط قرب مستوى 100 دولار للبرميل مع نهاية تداولات الأسبوع، رغم تسجيل أكبر خسارة أسبوعية منذ يونيو/حزيران الماضي.
وتراجع خام برنت بنحو 11% بعد الإعلان عن هدنة لمدة أسبوعين بوساطة باكستان، ما خفف جزئياً من مخاوف الأسواق بشأن الإمدادات.
الأسواق تسعّر المخاطر لا الأخبار فقط
وأوضح المحلل في أسواق النفط والطاقة بشار الحلبي أن الأسواق لا تتفاعل فقط مع التطورات السياسية، بل تسعّر أيضاً واقع الإمدادات والمخاطر المرتبطة بحركة الناقلات، مشيراً إلى أن استمرار القيود في مضيق هرمز أبقى الأسعار مرتفعة نسبياً رغم إعلان الهدنة.
وأضاف أن لجوء الصين واليابان إلى السحب من المخزونات يعد حلاً مؤقتاً يهدف إلى كسب الوقت حتى تتضح نتائج المفاوضات، موضحاً أن بكين لا تزال تفضّل استخدام المخزون التجاري لتخفيف تقلبات الأسعار، مع الحفاظ على المخزون الإستراتيجي كخيار أخير.
ضغوط السوق العالمية
وفي ما يتعلق بالسياسات الدولية، رأى الحلبي أن توجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو تمديد الإعفاءات الخاصة بالنفط الروسي يعكس إدراكاً بأن الأسواق لا تتحمل مزيداً من الضغوط، خاصة مع تراجع الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
وأشار كذلك إلى أن الطلب الصيني على النفط انخفض بنحو مليون برميل يومياً كإجراء احترازي، في وقت تركز فيه بكين على تأمين احتياجاتها الداخلية، بينما تتحرك اليابان ضمن إستراتيجية طويلة الأجل لحماية اقتصادها الصناعي عبر الاحتياطيات النفطية.









