الأخبار العالمية

عقيدة الفسيفساء.. الاستراتيجية الإيرانية للحرب غير المتماثلة والدفاع متعدد الطبقات

ترتكز عقيدة “الفسيفساء” في الفكر العسكري الإيراني على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى تقليل قابلية نظام القيادة والسيطرة للتفكك أمام أي هجوم خارجي، عبر تبني هيكل لامركزي يسمح باستمرار العمليات حتى في حال استهداف القيادات العليا أو تعطّل شبكات الاتصال. أما الركيزة الثانية فتتمثل في إنشاء منظومة دفاع مرنة ومتعددة الطبقات، تجعل تحقيق اختراق عسكري شامل أمراً بالغ الصعوبة، من خلال اعتماد أساليب الحرب غير المتماثلة والهجينة التي تشارك فيها القوات النظامية وغير النظامية ضمن منظومة عملياتية موحدة ومرنة.

وقد بدأت إيران في تبني هذا النموذج الدفاعي عقب التحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة بعد التدخل الأمريكي في أفغانستان عام 2001، ثم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. حينها أدركت طهران أن بقاء النظام السياسي يتطلب إعادة صياغة العقيدة الأمنية والعسكرية لمواجهة احتمال التعرض لمحاولة إسقاط بالقوة العسكرية أو عبر اضطرابات داخلية. وجاءت تجربة سقوط نظام صدام حسين السريع لتدفع صناع القرار الإيرانيين إلى تطوير رؤية دفاعية جديدة تتلاءم مع طبيعة التهديدات الحديثة.

وتعتمد هذه العقيدة على توظيف المجتمع نفسه كخط دفاع أساسي في مواجهة أي قوة غازية، بحيث يكون قادراً على إعادة تنظيم نفسه بطريقة لامركزية تسمح باستمرار المقاومة حتى في حال انهيار البنية القيادية التقليدية. وتنطلق الفكرة من افتراض أن أي قوة مهاجمة ستتمتع بتفوق تكنولوجي وعسكري كبير مقارنة بإيران، ما دفع إلى تبني مفهوم “التمرد طويل الأمد” كوسيلة لمعادلة هذا التفوق عبر استنزاف الخصم بدلاً من مواجهته مباشرة.

وفي هذا الإطار، تعمل العقيدة على تفكيك مركزية إدارة الحرب، وتوزيع أدوار القتال بين الجيش النظامي والقوى شبه العسكرية، بما يضمن استمرارية العمليات القتالية حتى في حال فقدان القيادة العليا أو تعطّل منظومات القيادة والسيطرة. وتكمن أهمية هذا التصور في تحويل المجتمع المنظم ذاته إلى عنصر دفاعي رئيسي قادر على التكيف مع التهديدات وإعادة تنظيم قدراته القتالية بصورة مستقلة.

على مستوى التنفيذ، يتصدر الجيش النظامي الإيراني “أرتش” مهمة التصدي للضربة الأولى عبر قواته المدرعة والميكانيكية ووحدات المشاة، باعتباره خط الدفاع التقليدي المسؤول عن تثبيت الجبهة وإبطاء تقدم العدو. وفي المجال الجوي تعتمد إيران على منظومة دفاع جوي تستخدم تقنيات التمويه والخداع للحد من التفوق الجوي للخصم قدر الإمكان. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعويض الفجوة التقليدية في موازين القوى عبر تعطيل قدرات العدو بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة معه.

وفي المرحلة التالية من الصراع، يتولى الحرس الثوري وقوات الباسيج إدارة العمليات القتالية، حيث ينتقل العبء تدريجياً من الجيش النظامي إلى هذه القوات التي تتخصص في عمليات الاستنزاف والهجمات غير النظامية داخل العمق الإيراني. وتتحول قوات الباسيج إلى قوة انتشار محلية قادرة على القتال اللامركزي في المدن والجبال والمناطق الوعرة، عبر تنفيذ الكمائن واستهداف خطوط الإمداد المعادية.

وقد جرى إخضاع قوات الباسيج للحرس الثوري بعد عام 2007 ضمن عملية إعادة هيكلة عسكرية تتوافق مع عقيدة الفسيفساء. وتم توزيع وحداتها ضمن 31 مركز قيادة إقليمياً، بواقع مركز لكل محافظة، ما يمنح القادة المحليين صلاحيات واسعة لإدارة العمليات وفق خصوصية البيئة الجغرافية لكل منطقة، ويتيح للقوات البرية الانتشار السريع في النقاط الساخنة والمناطق الحضرية خلال الأزمات.

أما القوات البحرية، فتتمثل مهمتها الأساسية في تطبيق استراتيجية “منع الوصول وحرمان العدو من حرية الحركة”، عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز والممرات البحرية الحيوية. ويشمل ذلك استخدام أسراب القوارب السريعة وزراعة الألغام البحرية وإطلاق الصواريخ المضادة للسفن، بما يحول هذه الممرات إلى مناطق استنزاف مرتفعة الكلفة لأي قوة بحرية معادية.

وتعزز هذه المنظومة الدفاعية ترسانة الصواريخ الباليستية التي يديرها الحرس الثوري، والتي تشكل أداة ردع استراتيجية تستخدم لضرب أهداف عميقة أو لإلحاق خسائر كبيرة بالخصم. كما تلعب الشبكة الإقليمية لحلفاء إيران دوراً مهماً في توسيع نطاق أي مواجهة محتملة، عبر فتح جبهات متعددة في المنطقة وتحويل الصراع إلى حرب استنزاف إقليمية معقدة.

الحرب الممتدة عند ماو.. الإطار النظري لاستنزاف الخصم الأقوى

تتقاطع عقيدة الفسيفساء الإيرانية مع مفاهيم الحرب الممتدة التي طورها الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، والذي يُعد من أبرز منظري الحروب الشعبية طويلة الأمد. فقد طرح ماو رؤية استراتيجية تقوم على قلب موازين القوة عبر الزمن، بدلاً من السعي لتحقيق نصر سريع في مواجهة خصم متفوق.

وفي كتابه الشهير “حول الحرب الممتدة” الصادر عام 1938، جادل ماو بأن الرهان على نصر خاطف ضد خصم أقوى، أو الاستسلام لفكرة الهزيمة الحتمية، كلاهما خطأ استراتيجي. وقدم بدلاً من ذلك تصوراً يقوم على استنزاف الخصم تدريجياً عبر إطالة أمد الصراع، وتحويل تفوقه المادي إلى عبء سياسي ولوجستي متزايد.

وقسم ماو نظريته إلى ثلاث مراحل رئيسية. المرحلة الأولى هي الدفاع الاستراتيجي، حيث يتجنب الطرف الأضعف المواجهات الحاسمة ويعتمد على حرب العصابات، مع إنشاء قواعد ارتكاز في المناطق الريفية وبناء شبكة دعم شعبي، بحيث يكون الهدف هو الصمود واستنزاف القوة الهجومية للعدو.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الجمود الاستراتيجي، حيث تبدأ قدرات العدو بالتآكل نتيجة الخسائر وامتداد خطوط الإمداد وارتفاع كلفة الحرب سياسياً ونفسياً، في حين تتوسع مناطق نفوذ المقاومة وتزداد عملياتها تنظيماً وفعالية. وقد وصف ماو هذه المرحلة بأنها الأطول والأكثر تعقيداً في مسار الصراع.

وتأتي المرحلة الثالثة في صورة الهجوم الاستراتيجي، عندما تبدأ موازين القوى في التحول تدريجياً، فتنتقل القوات المقاومة من حرب العصابات إلى عمليات عسكرية أوسع وأكثر تنظيماً، وصولاً إلى نمط قتال شبه تقليدي يهدف إلى تدمير القوة الرئيسية للعدو والسيطرة على المراكز الاستراتيجية.

وقد اعتمد ماو في هذه المقاربة على تعبئة الريف الصيني الواسع واستنزاف خطوط الإمداد المعادية وكسب الوقت بدلاً من الأرض. ولم تقتصر تأثيرات هذه النظرية على التجربة الصينية، بل تحولت إلى مرجعية لكثير من حركات التحرر في آسيا وأمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين، مثل تجربة الفيت كونغ في فيتنام، والثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو وتشي غيفارا، إضافة إلى حروب الاستنزاف التي شهدتها أفغانستان والجزائر.

ورغم التحولات التي شهدتها طبيعة الحروب المعاصرة، خاصة مع انتقال مركز الثقل السكاني إلى المدن منذ عام 2007، فإن مبادئ الحرب الممتدة لا تزال حاضرة في تحليل الصراعات غير المتماثلة، حيث يبقى عامل الزمن أحد أهم الأدوات الاستراتيجية التي يمكن للطرف الأضعف توظيفها لتغيير موازين القوة.

نظام البدائل القيادية.. استراتيجية إيرانية لضمان استمرارية الحكم

تتطلب الحروب الممتدة درجة عالية من المرونة القيادية، وهو ما دفع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى إصدار توجيهات بإنشاء نظام بدائل قيادية يضمن استمرارية عمل الدولة في حال استهداف القيادات العليا. وبموجب هذه التوجيهات، يتم تعيين ما يصل إلى أربعة بدلاء محددين مسبقاً لكل منصب عسكري أو حكومي رفيع، لتجنب حدوث فراغ في السلطة في حال الاغتيال أو تعذر التواصل مع القيادة.

ولا يقتصر هذا النظام على قمة هرم السلطة، بل يمتد أفقياً وعمودياً داخل مؤسسات الدولة، بهدف خلق طبقات متتالية من القيادة البديلة في كل مستوى إداري أو عسكري. كما مُنحت دائرة ضيقة من المقربين من المرشد صلاحيات اتخاذ القرار في حال انقطاع الاتصال به، لضمان استمرارية عمل الدولة في أسوأ السيناريوهات.

ولم تنشأ هذه المقاربة من فراغ، بل تطورت نتيجة التجربة التاريخية التي مرت بها إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979. ففي السنوات الأولى بعد سقوط نظام الشاه، واجه النظام الجديد تحديات أمنية خطيرة، أبرزها المواجهة مع منظمة مجاهدي خلق التي شنت سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات استهدفت قيادات بارزة في الدولة، وأدت إلى مقتل عشرات المسؤولين الإيرانيين.

وقد كشفت تلك الأحداث هشاشة المنظومة الأمنية في تلك المرحلة، لكنها دفعت النظام في المقابل إلى تطوير أجهزته الأمنية وتبني مفهوم اللامركزية داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا يعتمد النظام على عدد محدود من القيادات. ومع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، اكتسبت إيران خبرة واسعة في إدارة الحروب الطويلة وبناء منظومة تعبئة شعبية وتنظيمية قادرة على الصمود.

وخلال تلك المرحلة، تشكلت بنية حكم معقدة تجمع بين المؤسسات الرسمية والطلائع الثورية المنظمة والحوزات الدينية، التي تحولت إلى خط دفاع داخلي للنظام. ومع مرور الوقت، تطورت هذه البنية إلى شبكة شبه حزبية ذات طابع عسكري، تعمل وفق نموذج لامركزي يوزع المسؤوليات ويمنح النظام قدرة أكبر على التكيف مع التهديدات.

وبفضل هذه المنظومة المتشابكة من الأدوات العسكرية والتنظيمية والسياسية، تمتلك طهران قدرة مركبة على إدارة الصراع مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. كما تسمح لها هذه الاستراتيجية بموازنة التفوق العسكري والتكنولوجي لخصومها، وفتح المجال أمام المناورة الدبلوماسية والاقتصادية خلال أي مواجهة طويلة الأمد.

وفي ضوء ذلك، تبدو أي حرب محتملة بعيدة عن نموذج “النصر الخاطف” الذي قد يراهن عليه الخصوم، إذ إن إيران أعدت منظومتها الدفاعية على أساس خوض حرب ممتدة قادرة على امتصاص الصدمات الأولى، بما في ذلك احتمال غياب قيادات عليا، مستندة في ذلك إلى عقيدة دفاعية صُممت أساساً لمواجهة مثل هذه السيناريوهات.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى