سقوط أوربان وصعود ماجار.. كيف تحولت المجر إلى نموذج سياسي يُقارن بالولايات المتحدة؟

قدّم الكاتب إم. غيسن قراءة سياسية للتحول التاريخي الذي شهدته المجر مع نهاية حكم الزعيم القومي اليميني فيكتور أوربان، الذي هيمن على السلطة لمدة 16 عاماً، معتبراً أن هذا التحول قد يحمل دلالات تتجاوز حدود أوروبا، ليقدم دروساً محتملة للولايات المتحدة في مواجهة صعود الشعبوية والميول السلطوية، خصوصاً في سياق تجربة دونالد ترامب.
ينطلق المقال من مشهد احتفالي واسع في العاصمة بودابست، حيث احتشد عشرات الآلاف أمام مبنى البرلمان للاحتفال بتنصيب بيتر ماجار رئيساً للوزراء، في لحظة اعتُبرت إعلاناً رمزياً عن نهاية “عصر أوربان”.
ويستعيد الكاتب رمزية الساحة ذاتها التي كانت مسرحاً لتحولات سياسية كبرى في تاريخ المجر، من الاحتجاج ضد الحقبة السوفيتية إلى التظاهرات ضد الحكومات السابقة، لتعود اليوم منصة لتغيير سياسي جذري، رغم أن نظام أوربان كان قد أعاد تصميمها عمرانياً بطريقة يُنظر إليها على أنها تقلل من إمكانية الحشود الجماهيرية.
ويصف المقال أجواء الاحتفال بأنها لحظة امتزجت فيها الدهشة بالانفعال الوطني، بمشاركة فئات اجتماعية واسعة، من شباب لم يعرفوا سوى حكم أوربان، إلى مثقفين عاشوا سنوات من الإحباط السياسي، وصولاً إلى سكان من المناطق الريفية الذين توافدوا بعد جولات انتخابية مكثفة قام بها ماجار شملت مئات المدن والبلدات.
معادلة إسقاط نظام سياسي راسخ
يشير الكاتب إلى أن صعود بيتر ماجار بدا في البداية غير متوقع، بالنظر إلى طبيعة حكم أوربان الذي لم يكن مجرد قيادة سياسية تقليدية، بل نظاماً متكاملاً للسيطرة على الإعلام والمؤسسات والقضاء، مع إعادة صياغة القوانين الانتخابية بما عزز هيمنة حزبه “فيدس”، وتحويل بنية الدولة تدريجياً نحو نموذج سلطوي بواجهة ديمقراطية.
كما يلفت المقال إلى أن أوربان حظي بدعم أو إعجاب من تيارات يمينية محافظة دولياً، بما في ذلك شخصيات أمريكية بارزة، في حين استُخدمت تجربته كنموذج لدى بعض الدوائر السياسية المحافظة.
إلا أن المفاجأة السياسية تمثلت في تمكن حزب “تيسا” بقيادة ماجار من تحقيق فوز واسع وأغلبية دستورية، مكّنت من إعادة فتح الباب أمام مراجعة العديد من التعديلات التي رسّخها أوربان خلال سنوات حكمه.
آليات صعود ماجار
يركز المقال على ما يسميه “معادلة النجاح” التي اعتمدها ماجار، والتي قد تحمل قابلية للتكرار في سياقات سياسية أخرى، بما فيها الولايات المتحدة.
ويأتي في مقدمة هذه العناصر الاعتماد على التنظيم الشعبي الواسع، عبر شبكة من المتطوعين والمجموعات المحلية التي لعبت دوراً محورياً في الحملة الانتخابية، بعيداً عن الاعتماد الحصري على الإعلام أو الإعلانات التقليدية.
كما اعتمد ماجار على التواصل المباشر مع الناخبين من خلال الجولات الميدانية المكثفة، ما عزز الثقة بينه وبين القاعدة الشعبية، وكشف محدودية الخطاب السياسي القائم على التخويف الذي اعتمده خصومه.
ويضيف المقال أن لغة ماجار السياسية اتسمت بالوضوح والحدة، حيث انتقل من توصيف النظام القائم بالفساد إلى اعتباره “دولة مافيا”، في إشارة إلى بنية نفوذ مرتبطة بمصالح وشبكات مغلقة داخل الدولة.
كما تميز أسلوبه السياسي بالمواجهة المباشرة والاستعداد المسبق لحملات الاستهداف، بما في ذلك تحركات قانونية وسياسية عززت من قدرته على الصمود أمام الضغوط.
تآكل المعارضة التقليدية وبروز البديل
ويشير الكاتب إلى أن أحد أسباب نجاح ماجار يتمثل في كونه خارج بنية المعارضة التقليدية، التي فقدت ثقة قطاعات واسعة من الناخبين، بعدما عجزت عن تقديم بديل فعّال لسلطة أوربان، بل ساهم ضعفها في ترسيخ حكمه لسنوات طويلة.
ومن هنا، يطرح المقال مقارنة ضمنية مع السياق الأمريكي، مرجحاً أن مواجهة قوى سياسية راسخة قد تتطلب بروز شخصيات سياسية جديدة من خارج النخب الحزبية التقليدية.
كما يسلط الضوء على دور الحركات الاجتماعية غير الحزبية، التي ساهمت في زعزعة بنية النظام السياسي، من خلال احتجاجات المعلمين، ونشطاء حقوق الإنسان، والطلاب، ومنظمات المجتمع المدني، في تشكيل ضغط متراكم انتهى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي.









