مدينة جول.. منارة العلم والتعايش على ضفاف النهر

صورةلرئيس الجمهورية يترأس حفل افتتاح النسخة الأولى من مهرجان “جول “
تُعد بلدية جول التابعة لمقاطعة كيهيدي في ولاية كوركول إحدى أبرز الحواضر التاريخية والثقافية في منطقة الضفة الموريتانية، حيث ارتبط اسمها عبر القرون بالعلم الشرعي، والتربية الروحية، وقيم التعايش والتآخي التي طبعت المجتمع المحلي وجعلت من هذه البلدة الصغيرة مركز إشعاع تجاوز حدودها الجغرافية نحو مناطق واسعة من غرب إفريقيا.
وتقع جول على ضفاف نهر السنغال جنوب مدينة كيهيدي بنحو عشرين كيلومتراً، مستفيدة من موقع جغرافي متميز جعلها نقطة التقاء بين النشاط الزراعي والتجاري والثقافي. وقد عُرفت منذ نشأتها بدورها في نشر الثقافة العربية الإسلامية، حيث شكلت عبر أجيال متعاقبة إحدى أهم الحواضن العلمية في منطقة الضفة.
وقد حظيت جول باهتمام وطني متزايد خلال السنوات الأخيرة، تُوِّج باستحداث مهرجان جول الثقافي من طرف وزارة الثقافة، ليكون مناسبة سنوية لاستحضار الإرث الحضاري والعلمي للمنطقة وتعزيز قيم الوحدة الوطنية والتنوع الثقافي. ويهدف المهرجان إلى إبراز المكانة التاريخية لجول بوصفها مركزاً علمياً وثقافياً، وإلى تثمين موروثها الفكري والاجتماعي وإسهامها في بناء جسور التواصل بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني. وقد شهدت النسخة الأولى من المهرجان حضوراً رسمياً رفيع المستوى، كما تميزت بإطلاق “إعلان جول” الداعي إلى التلاحم الاجتماعي ونبذ كل أشكال التفرقة والتمييز.
وتؤكد المصادر التاريخية والروايات المحلية أن جول لعبت دوراً محورياً في نشر العلوم الشرعية واللغة العربية، بفضل جهود عدد من العلماء والمشايخ الذين أسسوا المحاظر والمدارس التقليدية، وفي مقدمتهم الشيخ الحاج محمود با، الذي يُنسب إليه الفضل في ترسيخ مكانة المدينة كمركز علمي مؤثر في محيطها المحلي والإقليمي. وقد أسهمت المدارس التي أنشأها في تكوين أجيال من العلماء والفقهاء والدعاة الذين حملوا رسالة العلم والإصلاح إلى مناطق مختلفة من موريتانيا وغرب إفريقيا.
ولم يقتصر دور جول على الجانب العلمي فحسب، بل شكلت أيضاً نموذجاً للتعايش السلمي بين مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية. فقد ظلت عبر تاريخها فضاءً للتواصل والتكافل والتعاون، مستندة إلى القيم الإسلامية السمحة التي تدعو إلى المساواة والعدل وحسن الجوار. ولهذا السبب اختيرت المدينة رمزاً ثقافياً يعكس إحدى أهم ركائز الهوية الوطنية الموريتانية القائمة على التنوع والوحدة في آن واحد.
وعلى الصعيد الاقتصادي، استفادت جول من قربها من كيهيدي ومن موقعها الزراعي الخصب، حيث يعتمد سكانها على الزراعة المروية وتربية المواشي والتجارة المحلية. كما شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة حركية اقتصادية متزايدة، ساهمت التظاهرات الثقافية والمهرجانات في تنشيطها من خلال استقطاب الزوار وإنعاش الأسواق المحلية وتعزيز المبادلات التجارية.
أما أبناء جول من رجال الأعمال والأطر والكفاءات الوطنية، فقد أسهموا في مجالات متعددة داخل موريتانيا وخارجها، مستفيدين من الرصيد العلمي والتربوي الذي اشتهرت به المنطقة. ويواصل العديد منهم اليوم المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، سواء عبر الاستثمار المحلي أو من خلال دعم المبادرات التعليمية والثقافية والخيرية.
إن الحديث عن جول ليس حديثاً عن بلدية عادية، بل عن صفحة مضيئة من تاريخ الضفة الموريتانية، وعن مدينة استطاعت أن تجمع بين العلم والعمل، وبين الأصالة والانفتاح، وبين الانتماء المحلي والإشعاع الوطني. ولذلك تظل جول نموذجاً حياً لقدرة الثقافة والعلم على صناعة التنمية وتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ قيم التعايش التي يحتاجها المجتمع الموريتاني أكثر من أي وقت مضى.









