تحقيقات

كواليس المؤتمر الصحفي الذي نظمته رئاسة الجمهورية مساء الجمعة

في مشهد استثنائي وغير مسبوق، احتضن القصر الرئاسي في نواكشوط مساء الجمعة أول مؤتمر صحفي مصور يجمع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالإعلام المحلي، وذلك بعد انقطاع دام ست سنوات.

اللقاء الذي جمع أكثر من 120 صحفياً ومدوناً، امتد لنحو ثلاث ساعات، وشهد كواليس تنظيمية دقيقة وأجواءً احتفالية هادئة لكنها حملت طابعاً رسمياً مشوباً بالترقب.

وصول وتدقيق أمني مشدد

بدأت الجموع بالتواافد إلى القصر بعد صلاة المغرب، حيث توقف المدعوون عند بوابة “ساحة الحرية” لتسليم مركباتهم، ثم اتجهوا إلى المدخل الرئيسي حيث باشر عناصر الحرس الرئاسي عملية تدقيق الأسماء عبر لوائح معدة مسبقاً، دون طلب هويات إضافية، في خطوة عكست ثقة تنظيمية لكنها لم تخلُ من حذرٍ واضح.

بعد عبور البوابة، قُيد الحضور عبر حديقة القصر عبر ممر حجري طويل يؤدي إلى فيلا المحيط الرئاسي، حيث أعيد التدقيق في الأسماء مرة ثانية، تلتها عملية تفتيش دقيقة صودرت خلالها الهواتف النقالة ووُضعت في أظرف مرقمة سُلِّمت لذويها عند المغادرة.

قاعة الانتظار.. ديكورات تحكي التاريخ

بعد الإجراءات الأمنية، جرى توجيه الصحفيين إلى صالة استقبال واسعة تميزت بديكورات تحمل طابعاً أندلسياً تاريخياً. نقشت على بواباتها عبارة “ولا غالب إلا الله” – شعار بني الأحمر آخر حكام غرناطة – فيما احتلت زاويتي القاعة أسطوانتان خرسانيتان تعلو كل منهما رأس غزال بري محنط، يحدق في الفراغ بقرون ملتوية تكاد تلامس السقف.

امتدت طاولات جانبية محملة بالمكسرات والحلوى والمشروبات، ورُصَّت طاولات كوكتيل عالية دون كراسي في نمط مستوحى من استراحات العمل السريعة. إلا أن الوقوف ظل سيد الموقف لأكثر من ساعة، ما دفع بعض الصحفيين إلى أداء صلاة العشاء في زاوية الصالة , بينما تدافع آخرون على كراسي محدودة في الأطراف.

طوال فترة الانتظار، سيطر الغموض على تفاصيل اللقاء، إذ تناقل الحضور تساؤلات عن موعد البداية وآلية إدارة النقاش، دون أن يملك أحد إجابة حاسمة.

التنظيم والإدارة.. تعليمات من خلف الستار

مع حلول موعد الانتقال إلى قاعة المؤتمر – التي لم تكن سوى أمتار قليلة من صالة الانتظار لكنها أصغر بكثير – تحول المشهد إلى حالة من التدافع بين أكثر من مائة شخص، في سباق نحو المقاعد الأمامية الأقرب للرئيس، والأوفر حظاً لنيل فرصة طرح الأسئلة. أربك ذلك عناصر الحرس الذين ناشدوا الحضور بالهدوء، لكن الإصرار على اقتراب المنصة كان أقوى.

ضمت القاعة أكثر من 120 مقعداً مُرتَّبة في أربعة أرباع، لكن الفريق المنظم اضطر لإضافة مقاعد إضافية لبعض المدعوين، ما كشف أن العدد النهائي لم يكن محدَّداً بدقة حتى لدى المنظمين أنفسهم.

وسط القاعة، ارتفعت منصة خشبية نصف متر، تقدمتها باقات ورد، وفي صدارتها مكتب رئاسي من الخشب الأحمر الفاخر، خلفه كرسي أسود، وعن يمينه العلم الوطني. أما الخلفية فزُيِّنت بشاشة ضخمة تحمل شعار الجمهورية: شرف – إخاء – عدل.

وقف المدير العام للوكالة الموريتانية للأنباء، محمد تقي الله الأدهم، على ناصية القاعة ليدير الجلسة، بينما كان المندوب العام لمندوبية “تآزر”، سيدي ولد مولاي الزين، يوجّه التعليمات من خلف الستار، في مشهد يعكس التنسيق المزدوج بين الإعلام والجهات السيادية.

قبل دقائق من وصول الرئيس، أوضح الأدهم أن المؤتمر سيبدأ بتوطئة رئاسية لا تتجاوز 10 دقائق، ثم يُفتح الباب لأسئلة الحضور بمعدل سؤال واحد لكل متدخل، مع ترك الحرية لانتقاء الأسئلة بشكل “عفوي” لاستيعاب أكبر عدد.

تأخير واعتذار:

بعد نصف ساعة من الانتظار الإضافي، همس ولد مولاي الزين في أذن الأدهم، الذي أعلن أن الرئيس تلقى اتصالات خارجية هي سبب التأخير.

وما لبث أن دخل الرئيس الغزواني القاعة، معتذراً للحضور دون الخوض في تفاصيل الاتصالات، لتبدأ الجلسة التي حملت بصمة مفاجئة من ناحية الحضور، وأجواءً من الاحترام المتبادل، لكنها لم تخلُ من طابعٍ استعراضي في تفاصيلها التنظيمية.

خلفية اللقاء وأبرز الأسئلة المتوقعة

جاء هذا المؤتمر بعد إعلانات رسمية من الرئاسة ووزارة الثقافة، أفادت بأنه يهدف لعرض أبرز المستجدات الوطنية، والرد المباشر على استفسارات الصحفيين.

وكشفت مصادر إعلامية أن الأسئلة التي حضرها الصحفيون تمحورت حول القضايا المعيشية، وفي مقدمتها:

  • ارتفاع الأسعار وعدم انعكاس زيادة الإيرادات العامة على القدرة الشرائية للمواطنين.
  • أزمة الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء والوقود.
  • واقع سياسات التشغيل ودعم الفئات الهشة.

حصاد الكلمة الأولى.. انتظار المزيد

رغم الجدية التنظيمية والحماسة الإعلامية، فإن المؤتمر الذي حمل وعداً بأول لقاء مصور مع الرئيس منذ 6 سنوات، لم يُغلق ملف الأسئلة الشائكة، بل فتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام، وحدود الحوار المفتوح في الموريتاني.

ويبقى السؤال الأهم: هل سيكون هذا اللقاء بداية تقليد جديد للتواصل الرئاسي، أم مجرد استثناء يكرر نفسه بعد سنوات؟

الإجابة تنتظر مؤتمراً آخر، ربما أقل كلفةً في الانتظار، وأكثر سخاءً في الإجابات.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى