ثقافة

حين تفقد السياسة بوصلتها الأخلاقية

ليست أخطر أزمات المجتمعات تلك التي تظهر في ضعف الاقتصاد أو اضطراب المؤسسات فقط، بل تلك التي تصيب المعايير التي توجه السلوك العام. فعندما تتراجع الأخلاق من المجال السياسي، لا تفقد السياسة جزءًا من صورتها فحسب، بل تفقد معناها ووظيفتها الأساسية باعتبارها أداة لتنظيم المصالح وتحقيق التوازن وخدمة الإنسان.

إن السياسة في جوهرها ليست مجرد صراع على النفوذ، وإنما هي مسؤولية مرتبطة بمصير المجتمع. وحين ينفصل الفعل السياسي عن القيم، تصبح المصلحة الخاصة قادرة على مزاحمة المصلحة العامة، ويتحول الخطاب إلى وسيلة للتأثير بدل أن يكون تعبيرًا عن الالتزام.

لقد أظهرت التجارب الإنسانية أن القوانين والمؤسسات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء حياة سياسية سليمة. فالقانون يحتاج إلى ثقافة تحترمه، والمؤسسة تحتاج إلى أشخاص يؤمنون بروح المسؤولية قبل حدود النصوص. لذلك فإن أزمة الأخلاق السياسية ليست مجرد خلل في السلوك الفردي، بل هي أزمة في طريقة فهم السلطة ودورها.

ويزداد خطر غياب الأخلاق عندما يصبح التناقض بين القول والفعل أمرًا عاديًا، وعندما يفقد المجتمع حساسيته تجاه الممارسات التي تضعف الثقة العامة. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأخطاء الكبرى، وإنما أيضًا بسبب تراكم مظاهر صغيرة من فقدان المسؤولية واللامبالاة بالقيم المشتركة.

إن إعادة الأخلاق إلى قلب الحياة السياسية لا تعني تحويل السياسة إلى موعظة، وإنما تعني بناء علاقة جديدة بين السلطة والضمير العام. فالمسؤولية، والشفافية، والوفاء بالالتزامات، واحترام المواطن، ليست شعارات أخلاقية مجردة، بل شروط عملية لاستقرار الدول ونجاح مشاريع الإصلاح.

إن مستقبل أي مجتمع لا يتحدد فقط بامتلاكه مؤسسات قوية، بل بقدرته على إنتاج ثقافة سياسية تجعل من النزاهة قيمة ومن خدمة الصالح العام غاية. فحين تفقد السياسة بوصلتها الأخلاقية، يصبح الخطر ليس فقط في سوء إدارة الحاضر، بل في فقدان القدرة على بناء المستقبل.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى