صحة

تراجع الشغف الزوجي في عصر الهواتف: بين البيولوجيا والضغط الاجتماعي والتكنولوجيا

في وقتٍ كان فيه الأزواج قادرين على قضاء ساعات طويلة في الحديث دون انقطاع، أصبح كثيرون اليوم يجلسون جنباً إلى جنب في صمت، يفصل بينهم وهج الشاشات أكثر مما يجمعهم حضورهم الجسدي. هذا التحول لم يعد مجرد صورة عابرة من الحياة اليومية، بل بات يُنظر إليه كظاهرة نفسية واجتماعية معقدة تعيد تشكيل العلاقات العاطفية في العصر الحديث.

يرى مختصون في علم النفس والأعصاب أن تراجع الحميمية والشغف بعد سنوات من الزواج ليس بالضرورة علامة فشل، بل هو جزء من التحولات الطبيعية التي تمر بها العلاقات طويلة الأمد. فالمشاعر الأولية المرتبطة بالانجذاب القوي والحماس تُحفَّز عبر دوائر المكافأة في الدماغ، خصوصاً تلك المرتبطة بالدوبامين والنورأدرينالين، والتي تمنح الإحساس بالاندفاع والجِدة في بداية العلاقة.

لكن مع مرور الوقت، يتكيف الدماغ مع التكرار ويقل تأثير “الجِدة”، وهي آلية تُعرف في علم النفس بـ“التكيف المتعوي”، ما يؤدي إلى انخفاض تدريجي في حدة الانبهار العاطفي. غير أن هذا لا يعني انتهاء الحب، بل انتقاله إلى نمط أكثر استقراراً يقوم على الارتباط والأمان، المرتبط بهرمونات مثل الأوكسيتوسين والفازوبريسين.

في المقابل، تلعب ضغوط الحياة الحديثة دوراً محورياً في هذا التحول. فالإجهاد النفسي المزمن، والضغوط المالية، وساعات العمل الطويلة، وتربية الأطفال، كلها عوامل تستهلك الطاقة العاطفية وتقلل من مساحة التفاعل الحميم بين الزوجين. وتشير بعض الدراسات إلى أن كثيراً من الأزواج لا يعانون من نقص في الحب بقدر ما يعانون من الإرهاق المستمر.

كما أن التغيرات الهرمونية عبر مراحل الحياة، لدى الرجال والنساء على حد سواء، قد تؤثر على المزاج والطاقة والرغبة، في حين يزيد نقص النوم والضغوط الأسرية من تعقيد هذه الديناميكيات، خصوصاً في السنوات الأولى من تربية الأطفال.

ولا يمكن إغفال البعد الثقافي والاجتماعي، إذ إن ضعف التعبير العاطفي المباشر في بعض المجتمعات، نتيجة اعتبارات تربوية وثقافية، قد يؤدي إلى تراكم صمت عاطفي طويل، حتى في وجود مشاعر حقيقية، ما يخلق شعوراً تدريجياً بالبرود أو الإهمال بين الشريكين.

إلى جانب ذلك، فرضت التكنولوجيا الحديثة نفسها كعامل مؤثر بقوة في بنية العلاقات. فالهواتف الذكية ومواقع التواصل، عبر الإشعارات والتمرير المستمر، أصبحت تنافس الحوار المباشر والاهتمام المتبادل، فيما يعرف بـ“التداخل التكنولوجي”، حيث تتقطع لحظات التواصل الإنساني باستمرار، ما يضعف جودة التفاعل العاطفي ويقلل الإحساس بالقرب.

وفي المحصلة، لا يبدو أن المشكلة تكمن في “اختفاء الحب”، بل في إعادة تشكيله تحت ضغط بيولوجي ونفسي واجتماعي وتكنولوجي معقد، يجعل الحفاظ على الحميمية تحدياً يومياً يحتاج إلى وعي وتوازن أكثر مما يحتاج إلى مشاعر أولية فقط.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى