ثقافة

بين ترتيبات المرحلة وأسئلة مستقبل الدولة

ليست كل التحولات التي تقع داخل الدولة تقرأ من زاوية النصوص القانونية وحدها، فبعض القرارات، خاصة عندما تمس مؤسسات ذات وزن تاريخي، تتحول إلى رسائل سياسية قابلة لتفسيرات متعددة.

إن تنظيم علاقة العسكري بالسياسة يظل مبدأ مهما في بناء الدولة الحديثة، لأن حياد المؤسسة العسكرية شرط لاستقرار النظام العام. غير أن هذا المبدأ يحتاج دائما إلى توازن دقيق: فالمطلوب هو منع تسييس المؤسسة، لا إقصاء أفرادها من الحياة العامة بعد انتهاء خدمتهم، ما داموا مواطنين يتمتعون بحقوقهم.

وتزداد حساسية النقاش عندما تأتي مثل هذه الإجراءات في فترة تشهد إعادة ترتيب لمواقع النفوذ، سواء عبر ملفات التقاعد أو الامتيازات أو إعادة توزيع الأدوار داخل النخبة. فالمجتمع لا ينظر دائما إلى هذه الخطوات باعتبارها تدابير إدارية فقط، بل يحاول قراءتها في سياق الصراع الهادئ حول شكل المرحلة القادمة.

ومن بين الأسئلة التي تشغل جزءا من النخبة: هل يمكن أن تؤدي إعادة تشكيل المشهد السياسي إلى فراغ تستفيد منه قوى منظمة أكثر من غيرها؟ وهل تخشى بعض الأطراف من تكرار تجارب إقليمية عرفت صداما بين التيارات السياسية ومؤسسات الدولة، كما حدث في بلدان عربية مختلفة، حيث أدى غياب التوافق إلى أزمات عميقة؟

هذه المخاوف لا تعني بالضرورة الحكم على أي تيار سياسي أو مصادرة حقه في المشاركة، فالأصل أن التداول السلمي حق للجميع، لكن التجارب المقارنة تفرض طرح سؤال آخر: هل تملك النخب السياسية القدرة على بناء توافقات تمنع انتقال الخلاف من صندوق الاقتراع إلى صراع على هوية الدولة ومؤسساتها؟

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وصول طرف سياسي بعينه، وإنما في أن تصبح قواعد اللعبة غير متوازنة، أو أن يشعر جزء من المجتمع بأن الدولة أصبحت مجالا لغلبة فريق على آخر. فالدول لا تستقر بإبعاد فئة أو تحصين أخرى، بل عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقواعد أوضح من الحسابات.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نقاش هادئ حول مستقبل الدولة: كيف نحافظ على مهنية المؤسسة العسكرية، ونضمن في الوقت نفسه أن يكون المجال السياسي مفتوحا وتنافسيا، دون أن يتحول الخوف من طرف إلى مبرر لإقصاء طرف آخر.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى