ثقافة

العدالة لا تُجزّأ: في مواجهة توظيف المظالم وبناء الدولة الوطنية

إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع خرج من مراحل مضطربة من تاريخه، ليس فقط وجود جراح الماضي، وإنما محاولة تحويل تلك الجراح إلى أدوات للمزايدة السياسية أو لتغذية الانقسام بين مكونات الشعب.

إن الوثيقة التي وقّع عليها عدد من السياسيين والمثقفين والفاعلين المدنيين الموريتانيين حول معالجة انتهاكات حقوق الإنسان لا ينبغي النظر إليها من زاوية الأشخاص أو الخلفيات أو الحسابات الضيقة، بل باعتبارها محاولة لطرح سؤال جوهري: كيف يمكن لدولة أن تبني مستقبلها وهي تحمل في ذاكرتها مظالم لم تُعالج بشكل عادل وشامل؟

لقد عرفت الدولة الموريتانية منذ الاستقلال مراحل ارتُكبت فيها أخطاء وانتهاكات خطيرة نتيجة سوء استخدام السلطة وضعف دولة القانون. فقد عانى مواطنون من التعذيب، والقتل، والنفي، والفصل التعسفي من الوظائف، وضياع الحقوق، وهي وقائع لا يمكن أن تُمحى بمجرد مرور الزمن، لأن كرامة الإنسان ليست ملفًا إداريًا يُغلق بالتقادم.

لقد ظل أصحاب هذه المظالم، على اختلاف انتماءاتهم، يطالبون بالإنصاف. غير أن ظروف الدولة الاقتصادية والسياسية، وضعف المؤسسات، وطبيعة التوازنات الداخلية، جعلت معالجة هذه الملفات تتم غالبًا عبر حلول جزئية أو تعويضات محدودة، بدل الوصول إلى معالجة وطنية شاملة تقوم على الحقيقة والاعتراف وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات.

ومن هنا فإن جوهر المطالبة اليوم ليس الانتقام ولا إعادة فتح صراعات الماضي، وإنما منع الماضي من إنتاج أزمات جديدة. فالدول لا تصبح قوية بإنكار أخطائها، بل بالقدرة على مواجهتها وتحويلها إلى درس تاريخي يؤسس لمواطنة أكثر عدلًا.

لكن ما يثير الاستغراب هو محاولة بعض الأطراف اختزال هذه المبادرة في كونها مشروع فئة معينة أو تيار سياسي بعينه، وكأن قضية العدالة لا تعني إلا من يحملون هوية أو خلفية محددة. وهذا ظلم جديد للضحايا قبل أن يكون خطأ سياسيًا.

فالموقعون على هذه الوثيقة لا يمثلون لونًا واحدًا ولا تيارًا واحدًا؛ إنهم ينتمون إلى مختلف مكونات المجتمع الموريتاني. والحديث عن إنصاف الضحايا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصارًا لمجموعة ضد أخرى، لأن الظلم حين يقع من الدولة يقع على مواطنين، والعدالة حين تتحقق تعود بالنفع على الوطن كله.

إن محاولة اختزال هذا الملف باعتباره صراعًا مع تيار أو مكون بعينه لا تخدم المصالحة، بل تعيد إنتاج الانقسام الذي دفع ثمنه الجميع. فالضحايا ليسوا ملكًا لأحد، والمظالم ليست رصيدًا انتخابيًا لأي طرف.

أما الرهان على استغلال آلام مكونات معينة للوصول إلى السلطة عبر خطاب انتقائي، فهو رهان قصير النظر؛ لأن المجتمعات لا تُبنى بالخداع ولا بالمغازلة المؤقتة، وإنما بعقد وطني صادق يعترف بالجميع ويُنصف الجميع.

إن جميع مكونات الشعب الموريتاني ليست أدوات انتخابية ولا أوراقًا في صراع سياسي. لها وعيها وتجاربها وحقها في تقييم المشاريع السياسية على أساس البرامج والمصداقية، لا على أساس محاولات استثمار الجراح.

لقد آن الأوان للخروج من منطق: “من يستفيد؟” إلى منطق: “ما الذي يصلح الوطن؟”. فالمجتمع الذي يؤجل عدالته يؤجل استقراره، والدولة التي لا تعالج مظالمها تتركها تنتقل من جيل إلى جيل.

إن المصالحة الحقيقية لا تعني نسيان الماضي، بل فهمه وإنصاف من تضرروا منه، حتى لا يتحول التاريخ إلى وقود لصراعات جديدة. وموريتانيا تحتاج اليوم إلى دولة قانون لا دولة موازنات، وإلى مواطنة لا تقوم على الأصل أو اللون أو الولاء، بل على الحقوق والواجبات المشتركة.

فالعدالة ليست هدية لفئة، وليست تهديدًا لفئة أخرى؛ إنها الأساس الذي تُبنى عليه الدولة.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى