ماذا يحدث للإنترنت في المنطقة العربية إذا قطعت إيران الكابلات البحرية في مضيق هرمز؟

تثير التهديدات الإيرانية بقطع كابلات الإنترنت البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز مخاوف متزايدة بشأن تداعيات هذه الخطوة المحتملة على الاتصالات الرقمية في المنطقة العربية، في ظل الاعتماد المتنامي على الإنترنت في مختلف جوانب الحياة، من الخدمات اليومية وتطبيقات توصيل الطعام إلى الأنظمة المصرفية ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
وفي عالم بات فيه الاتصال بالإنترنت عنصراً أساسياً في الاقتصاد والخدمات العامة، فإن استهداف الكابلات البحرية قد يتجاوز تأثيره حدود الدول المطلة على الخليج العربي، ليطال شبكات الاتصال الدولية ويؤثر في حركة البيانات بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
وحذر مدير إدارة الإعلام والاتصال بوزارة الخارجية القطرية، إبراهيم بن سلطان الهاشمي، خلال الإحاطة الأسبوعية، من أن الأضرار الناجمة عن قطع الكابلات البحرية لن تقتصر على دولة بعينها، بل ستمتد إلى إيران والدول المجاورة، بما يعكس حجم الترابط الذي يميز البنية التحتية الرقمية في المنطقة.
ورغم التوسع في خدمات الإنترنت الفضائي، مثل «ستارلينك»، فإن الكابلات البحرية لا تزال تشكل العمود الفقري لنقل البيانات عالمياً، بفضل قدرتها الكبيرة على استيعاب حركة الاتصالات وتوفير سرعات عالية تربط القارات والأسواق الرقمية.
الكابلات البحرية.. شريان الاتصالات الدولية
يمر عبر مضيق هرمز عدد من كابلات الاتصالات البحرية الرئيسية التي تربط دول الخليج العربي بشبكات الإنترنت الدولية، وتواصل مساراتها باتجاه الكويت والعراق ودول أخرى في المنطقة. ولا تقتصر المخاطر المحتملة على الكابلات الموجودة داخل المضيق، بل تشمل أيضاً خطوط الاتصال الممتدة بين الخليج العربي والبحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وبعض هذه المسارات يقع خارج نطاق التأثير المباشر لإيران، ما يجعل استهدافها أكثر تعقيداً، وقد يتطلب تدخل أطراف أخرى أو وقوع أضرار في مناطق بحرية بعيدة عن المضيق. ومع ذلك، فإن اتساع نطاق التوترات الإقليمية يثير مخاوف بشأن سلامة البنية التحتية للاتصالات في هذه الممرات الحيوية.
وتحمل الكابلات البحرية الجزء الأكبر من حركة البيانات الدولية، وتوفر سعات نقل ضخمة تصل في بعض الأنظمة إلى عشرات التيرابتات في الثانية. ولذلك، فإن تعطل عدد من الخطوط الرئيسية قد يفرض ضغوطاً كبيرة على الشبكات البديلة، ويؤثر في جودة الاتصال وسرعته في الدول التي تعتمد عليها.
وقد أظهرت حوادث سابقة في البحر الأحمر حجم التداعيات التي يمكن أن تنتج عن تضرر هذه البنية التحتية، إذ أدى تعطل كابلات، من بينها «SMW4» و«IMEWE» و«فالكون»، إلى اضطرابات في خدمات الإنترنت بعدد من دول الشرق الأوسط، مع امتداد بعض التأثيرات إلى مناطق أخرى.
وتوضح هذه الحوادث أن الكابلات البحرية ليست مجرد خطوط اتصال منفصلة، بل أجزاء مترابطة من شبكة عالمية تعتمد على توزيع حركة البيانات بين مسارات متعددة، ما يجعل تعطل بعض الخطوط قادراً على إحداث اضطرابات تتجاوز المنطقة التي وقع فيها الضرر.
انقطاع واسع وبطء الإنترنت في دول الخليج
إذا تعرضت الكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز لعمليات قطع أو أضرار واسعة، فمن المرجح أن تواجه دول الخليج العربي اضطرابات ملحوظة في الاتصال بالإنترنت، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تعطل مسارات أخرى أو ارتفاع الضغط على الخطوط البديلة.
ورغم وجود كابلات ومسارات اتصال لا تمر عبر المضيق، فإن قدرتها على استيعاب حركة البيانات المحولة من الخطوط المتضررة قد لا تكون كافية للحفاظ على مستويات الأداء المعتادة، ولا سيما خلال فترات الذروة.
وتوجد مسارات بديلة تمر عبر المحيط الهندي، فيما تصل بعض الكابلات إلى اليابسة في سلطنة عُمان قبل امتدادها إلى سواحل دول أخرى، بينها الإمارات وقطر والبحرين. ويمكن لهذه المسارات أن تسهم في تخفيف آثار الانقطاع، لكن فاعليتها ستعتمد على سعتها المتاحة وحجم الأضرار التي تلحق بالشبكة.
وفي مثل هذه الظروف، قد تضطر شركات الاتصالات إلى إعادة توجيه البيانات عبر الخطوط السليمة، مع إعطاء الأولوية للخدمات الحيوية والأنظمة الضرورية لاستمرار عمل المؤسسات والبنية التحتية.
وقد يشعر المستخدمون نتيجة لذلك بتراجع سرعات الاتصال، وارتفاع زمن الاستجابة، وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع والتطبيقات، فضلاً عن انقطاعات متقطعة في الخدمات التي تتطلب اتصالاً مستقراً وسريعاً.
ولا يعني ذلك بالضرورة انقطاع الإنترنت بالكامل عن جميع دول المنطقة، إذ تعتمد الشبكة العالمية على آليات لإعادة توجيه حركة البيانات عند تعطل بعض المسارات. لكن حجم الاضطراب سيختلف من دولة إلى أخرى تبعاً لعدد الكابلات المتاحة، وقدرات الشبكات المحلية، ومدى اعتمادها على المسارات المتضررة.
مراكز البيانات والخدمات الرقمية في دائرة التأثر
تضم منطقة الخليج العربي مراكز بيانات تابعة لشركات تكنولوجية عالمية، من بينها أمازون ومايكروسوفت وأوراكل وهواوي، وتؤدي هذه المراكز دوراً أساسياً في تشغيل الخدمات السحابية واستضافة التطبيقات وتخزين البيانات ومعالجتها.
وإذا تأثرت مسارات الاتصال التي تربط هذه المراكز ببقية العالم، فقد تواجه بعض الخدمات اضطرابات في الوصول إلى البيانات أو تأخراً في الاستجابة، خصوصاً عندما تعتمد التطبيقات على أنظمة موزعة بين أكثر من دولة أو منطقة جغرافية.
لكن تأثير انقطاع الكابلات لن يكون متطابقاً على جميع مراكز البيانات والخدمات؛ إذ يعتمد ذلك على مواقع الاستضافة، وتوزيع الخوادم، ووجود مسارات اتصال احتياطية، وقدرة الشركات على نقل العمليات إلى مراكز أخرى.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع توسع الاعتماد على الحوسبة السحابية في قطاعات المال والتجارة والتعليم والنقل والخدمات الحكومية، إذ يمكن أن تؤدي اضطرابات الاتصال إلى إبطاء العمليات الرقمية وتعقيد الوصول إلى بعض الأنظمة، حتى في الحالات التي تظل فيها الخوادم نفسها تعمل بصورة طبيعية.
تطبيقات النقل وتوصيل الطعام تحت الضغط
قد تمتد تداعيات اضطرابات الإنترنت إلى التطبيقات التي يعتمد عليها المستخدمون يومياً، مثل خدمات النقل الذكي وتوصيل الطعام ومنصات التسوق الإلكتروني.
وتعتمد تطبيقات مثل «كريم» و«ديدي» على الاتصال المستمر بالخوادم لمعالجة طلبات الرحلات وتحديد المواقع ومطابقة السائقين بالركاب وإتمام عمليات الدفع. وإذا تأثرت الأنظمة التي تدير هذه العمليات، فقد يواجه المستخدمون تأخراً في تنفيذ الطلبات أو صعوبة في الوصول إلى بعض الوظائف.
وينطبق الأمر نفسه على خدمات توصيل الطعام، ومنها تطبيق «طلبات»، إذ تعتمد هذه المنصات على أنظمة رقمية تربط العملاء بالمطاعم والسائقين، وتنسق الطلبات والمدفوعات ومتابعة عمليات التوصيل.
ومع ذلك، فإن تعطل الكابلات البحرية لا يعني بالضرورة توقف جميع هذه التطبيقات عن العمل، لأن مدى تأثرها يتوقف على مواقع خوادمها، وآليات توزيع خدماتها، وقدرتها على مواصلة العمل عبر المسارات البديلة.
كما قد تواجه منصات التواصل الاجتماعي وخدمات بث الفيديو تراجعاً في جودة الأداء، خاصة إذا ارتفع الضغط على الشبكات المتبقية أو تعذر الوصول إلى بعض مراكز البيانات التي تقدم المحتوى للمستخدمين في المنطقة.
وقد تظهر هذه المشكلات في صورة بطء تحميل مقاطع الفيديو، وتأخر تحديث المحتوى، وصعوبة رفع الملفات أو إجراء المكالمات، بدلاً من التوقف الكامل للخدمات.
هل تتأثر منصات يوتيوب وتيك توك والخدمات السحابية؟
تستخدم المنصات الرقمية الكبرى بنية تحتية موزعة جغرافياً، تشمل مراكز بيانات وشبكات لتوصيل المحتوى، بهدف تقليل زمن الاستجابة وتحسين تجربة المستخدمين. ولذلك، فإن تأثر أحد مسارات الاتصال قد يؤدي إلى اضطرابات في بعض المناطق، من دون أن يعني بالضرورة توقف المنصة عالمياً.
وفي حال تضررت الكابلات البحرية التي تخدم منطقة الخليج، فقد تتأثر سرعة الوصول إلى محتوى منصات مثل «يوتيوب» و«تيك توك»، تبعاً للمسارات البديلة المتاحة ومواقع الخوادم التي تعتمد عليها الخدمات.
وقد تواجه خدمات الحوسبة السحابية أيضاً تأخراً في نقل البيانات أو صعوبة في الاتصال ببعض الأنظمة، وهو ما قد ينعكس على الشركات التي تستضيف تطبيقاتها وقواعد بياناتها لدى مزودي الخدمات السحابية.
وتختلف التداعيات بين خدمة وأخرى؛ فالخدمات التي تعتمد على خوادم محلية أو تمتلك بنية احتياطية موزعة قد تتمكن من مواصلة العمل بصورة أفضل، في حين تكون الخدمات التي تعتمد على مسارات اتصال محدودة أكثر عرضة للاضطراب.
الإنترنت الفضائي.. بديل جزئي لا يحل المشكلة بالكامل
قد يوفر الإنترنت الفضائي، ومنه خدمة «ستارلينك»، بديلاً لبعض المستخدمين عند تضرر الكابلات البحرية، لأنه يعتمد على الاتصال بالأقمار الصناعية بدلاً من المرور الكامل عبر البنية التحتية الأرضية والبحرية التقليدية.
لكن هذه الخدمات لا تمثل بديلاً شاملاً لجميع الاتصالات البحرية، ولا تضمن استمرار جميع التطبيقات والخدمات المحلية في العمل بصورة طبيعية.
فحتى عندما يتمكن المستخدم من الاتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية، قد تظل بعض الخدمات غير متاحة إذا كانت تعتمد على مراكز بيانات متضررة أو أنظمة محلية تواجه مشكلات في الاتصال بالشبكات الأخرى.
كذلك، فإن قدرة الإنترنت الفضائي على تعويض حركة البيانات التي تنقلها الكابلات البحرية تظل محدودة مقارنة بالسعات الضخمة لهذه الكابلات، ما يجعل الاعتماد عليه حلاً تكميلياً في حالات الطوارئ، وليس بديلاً كاملاً للبنية التحتية البحرية.
تداعيات تتجاوز إيران ودول الخليج
لن تقتصر آثار أي أضرار واسعة تصيب الكابلات البحرية في الخليج على الدول العربية المطلة عليه، بل قد تمتد إلى مناطق أخرى ترتبط بالمنظومة نفسها، تبعاً لمسارات الاتصال المتضررة وحجم البيانات التي تمر عبرها.
وقد تتأثر بعض الاتصالات بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، خصوصاً إذا تزامن تعطل الكابلات في مضيق هرمز مع اضطرابات في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب.
كما يمكن أن تتضرر إيران نفسها من أي انقطاع واسع، بالنظر إلى اعتمادها على شبكات الاتصالات الدولية للوصول إلى الخدمات الرقمية وتبادل البيانات مع الخارج.
وتوضح هذه المخاطر أن البنية التحتية للإنترنت تقوم على ترابط دولي يجعل أي استهداف واسع للكابلات البحرية قضية تتجاوز حدود دولة واحدة، وتفرض تحديات على شركات الاتصالات ومزودي الخدمات السحابية والمؤسسات الحكومية والاقتصادات التي تعتمد على الاتصال الرقمي.
وفي المحصلة، فإن قطع الكابلات البحرية في مضيق هرمز لن يعني بالضرورة اختفاء الإنترنت بالكامل عن المنطقة، لكنه قد يؤدي إلى اضطرابات متفاوتة في السرعة وجودة الاتصال وتوافر بعض الخدمات، وفق حجم الأضرار وقدرة الشبكات على تحويل حركة البيانات إلى مسارات بديلة.
وتبقى حماية الكابلات البحرية وتنويع مسارات الاتصال وتعزيز البنية التحتية الاحتياطية من أهم العوامل التي تحدد قدرة دول المنطقة على التعامل مع مثل هذه المخاطر، وتقليل تأثيرها في الحياة اليومية والاقتصاد والخدمات الرقمية.









