ثقافة

أهلا وسهلا بكم في الجحيم».. كتاب فلسطيني يوثق معاناة الأسرى بعد طوفان الأقصى

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

أصدر الكاتب والباحث الفلسطيني ثامر عبد الغني سباعنة كتابا جديدا بعنوان «أهلا وسهلا بكم في الجحيم.. الأسرى بعد طوفان الأقصى»، يوثق فيه التحولات التي طرأت على أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023، مستندا إلى شهادات عشرات الأسرى والأسيرات المحررين وتجارب شخصية عاشها خلال فترة اعتقاله.

ويجمع الكتاب، الصادر في نحو 176 صفحة والمطبوع في تركيا، شهادات لأكثر من 30 أسيرا وأسيرة، تتناول ظروف الاعتقال وما يقول المؤلف إنها ممارسات تعذيب وتنكيل وحرمان من الحقوق الأساسية، في محاولة لتوثيق مرحلة يصفها بأنها من أصعب الفترات التي شهدتها الحركة الأسيرة الفلسطينية.

تجربة الاعتقال وراء مشروع التوثيق

وسبق لسباعنة، وهو باحث وكاتب من بلدة قباطية جنوب جنين، أن أمضى عشر سنوات في السجون الإسرائيلية خلال سبع مرات اعتقال، بدأت أولها عام 1997، فيما انطلقت آخر تجربة اعتقال له في 22 يوليو 2023، واستمرت 13 شهرا بعد اندلاع الحرب على غزة.

ويحمل سباعنة درجة الماجستير في التخطيط والتنمية السياسية من جامعة النجاح الوطنية، ويعمل معلما منذ عام 2003، كما أصدر مؤلفات ودراسات تناولت قضية الأسرى الفلسطينيين وأدوارهم السياسية والاجتماعية.

وقال إن تجربته الأولى في الاعتقال جعلته يدرك حجم الحاجة إلى توثيق معاناة الأسرى وتسليط الضوء على قضيتهم، وهو ما دفعه إلى تخصيص جانب كبير من إنتاجه البحثي والصحفي لهذا الملف.

وأوضح أن الأسرى كانوا ينظرون إلى السجون، قبل الحرب، باعتبارها فضاءات للتعلم والتثقيف وتعزيز الوعي الوطني والديني والسياسي، لكن الأوضاع تغيرت بصورة كبيرة بعد السابع من أكتوبر، وفق ما أورده في كتابه.

تراجع الحقوق وتصاعد الانتهاكات

ويرصد الكتاب، بحسب مؤلفه، تغييرات واسعة في الحياة اليومية للأسرى، شملت تقليص كميات الطعام وتراجع جودته، وتدهور الرعاية الطبية، وارتفاع مستويات الاكتظاظ، فضلا عن القيود المفروضة على التواصل مع العائلات والمحامين.

كما يتناول شهادات بشأن تقييد ممارسة الشعائر الدينية، ومصادرة المقتنيات الشخصية، والحرمان من مستلزمات النظافة، إلى جانب روايات عن التعذيب الجسدي والنفسي والتهديد بالعنف الجنسي.

ويشير سباعنة إلى أن هذه الممارسات، وفق الشهادات التي جمعها، تجاوزت حدود تشديد الإجراءات داخل السجون، لتطال جوانب أساسية من حياة المعتقلين وكرامتهم الإنسانية.

ومن بين الروايات التي تضمنها الكتاب شهادة عن تعرّض مجموعة من الأسرى للتجريد من الملابس وإجبارهم على الحبو في دائرة، بينما كان سجّانان يعتديان عليهم بالضرب باستخدام عصا غليظة وسلك معدني.

ويعتبر الكاتب أن الأثر النفسي للانتهاكات لا يقل خطورة عن الأذى الجسدي، إذ تستهدف، بحسب تقديره، إرادة الأسير وقدرته على الصمود والاحتفاظ بكرامته وأمله في الحرية.

شهادات عن الضرب والتجويع والحرمان

ويتضمن الكتاب شهادة الأسير المحرر مرشد شوامرة، وهو طالب حقوق من بلدة الرام قرب القدس، أمضى نحو ست سنوات ونصف السنة في مجموع فترات اعتقاله، من بينها قرابة 18 شهرا بعد السابع من أكتوبر 2023.

وقال شوامرة إن الأسرى واجهوا قيودا مشددة طالت الطعام والماء والنوم وأداء الصلاة، مضيفا أنهم اضطروا في بعض الأحيان إلى أداء الصلاة سرا، مع تكليف أحدهم بمراقبة حركة السجانين خشية التعرض للعقاب.

وأشار إلى أن الاكتظاظ بلغ مستويات كبيرة، إذ كانت غرف معدة لاستيعاب ستة أسرى تضم ما بين 12 و14 معتقلا، فيما تجاوز عدد المحتجزين في أحد أقسام سجن النقب الطاقة الاستيعابية المخصصة له بكثير.

وأضاف أنه تعرض للضرب خلال اعتقاله، وأصيب بكسر في عظم الصدر، ما اضطره إلى ملازمة الفراش نحو 20 يوما، بينما تعرض شقيقه منصور، الذي لا يزال معتقلا وفق شهادته، لكسور في ساقيه.

وأوضح شوامرة أنه خرج من السجن بوزن بلغ 57 كيلوغراما، بعدما كان يزن نحو 90 كيلوغراما، كما أصيب بالجرب، واضطر إلى تلقي العلاج في مستشفى بمدينة الخليل.

وقال إن الحديث عن معاناة الأسرى ونقل شهاداتهم إلى الرأي العام يمثل، بالنسبة إليه، وسيلة للمساهمة في الدفاع عن المعتقلين، خصوصا المرضى منهم.

التوثيق بوصفه ذاكرة وطنية

من جهتها، شددت أماني سراحنة، من نادي الأسير الفلسطيني، على أهمية توثيق تجارب المعتقلين، معتبرة أن الشهادات لا تقتصر قيمتها على الجانب الحقوقي والقانوني، بل تمثل جزءا من الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.

وأشارت إلى أن الأرشيف الفلسطيني تعرض لمحاولات متعددة للإتلاف والسرقة والتدمير، الأمر الذي يجعل الروايات الشخصية والشفوية مصدرا مهما لفهم تجربة الفلسطينيين داخل السجون.

وأكدت أن توثيق هذه التجارب يتطلب الدقة والتحقق من المعلومات، لأن أي خلل في نقل الشهادات قد يؤثر في مصداقية الرواية، داعية إلى إفساح المجال أمام الأسرى السابقين لنقل تجاربهم بأنفسهم.

ولفتت إلى أن ظروف السجون شهدت تحولات كبيرة بعد الحرب على غزة، ما يستدعي حفظ الشهادات ونقلها إلى الأجيال المقبلة، حتى تبقى تفاصيل التجربة حاضرة في الذاكرة الفلسطينية.

وبحسب ما أورده التقرير، لم يتمكن سباعنة من إدخال نسخ من كتابه إلى فلسطين، رغم طباعته في تركيا، بسبب المخاوف المرتبطة بنقل الكتاب عبر المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

أرقام تعكس حجم القضية

وتبرز الأرقام الواردة في التقرير حجم ملف الأسرى الفلسطينيين؛ إذ أشار إلى بيانات أممية تفيد باستشهاد ما لا يقل عن 92 فلسطينيا داخل السجون الإسرائيلية بين السابع من أكتوبر 2023 و16 سبتمبر 2026.

كما نقل التقرير عن مؤسسات الأسرى الفلسطينية أن نحو 9300 فلسطيني كانوا معتقلين في السجون الإسرائيلية حتى السادس من أكتوبر 2026، بينهم نحو 49% محتجزون دون تهمة أو محاكمة.

وأشار كذلك إلى تقرير لمنظمة بتسيلم الإسرائيلية صدر في يناير 2026، وثّق شهادات لأسرى محررين بشأن التعذيب والتجويع والحرمان من الرعاية الطبية والعنف الجنسي.

ويأمل سباعنة أن يشكل كتابه وثيقة تحفظ شهادات الأسرى وتتيح توظيفها في جهود التوثيق الحقوقي والقانوني، مؤكدا أن المعتقلين لا ينبغي أن يظلوا مجرد أرقام في التقارير الإخبارية، بل يجب أن تُحفظ تجاربهم وتُسمع أصواتهم وتُتابع أوضاعهم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى