تحقيقات

هزيمة الجمهوريين تشعل صراع الخلافة داخل الحزب.. وفانس يحمّل حرب إيران مسؤولية السقوط الإنتخابي

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


هزيمة انتخابية تربك معسكر ترمب.. فانس وديسانتيس يقودان موجة الانتقادات والحزب الجمهوري أمام اختبار الانقسام
دخل الحزب الجمهوري الأمريكي مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي، عقب الخسارة الواسعة التي مني بها في انتخابات التجديد النصفي، والتي أفقدته السيطرة على مجلسي الكونغرس، وفتحت الباب أمام تصاعد الانتقادات الداخلية لسياسات الرئيس دونالد ترمب، وسط مؤشرات على اتساع دائرة التململ داخل معسكره السياسي.
ولم تقتصر تداعيات الهزيمة على مراجعة الأداء الانتخابي أو تحميل المرشحين مسؤولية الإخفاق، بل امتدت إلى جوهر الخيارات السياسية والاستراتيجية للإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها الحرب على إيران، التي تحولت إلى نقطة خلاف بارزة بين أجنحة الحزب الجمهوري، وأثارت تساؤلات بشأن مستقبل التحالف الذي جمع ترمب بحلفائه داخل الحزب.
وفي تطور لافت، حمّل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الحرب على إيران مسؤولية أساسية في الخسارة الانتخابية، معتبراً أن قطاعات من الناخبين الذين دعموا الثنائي ترمب وفانس في انتخابات 2024 ابتعدوا عن الجمهوريين احتجاجاً على توجهات الإدارة، قبل أن يتحول بعضهم إلى التصويت لصالح الديمقراطيين.
وقال فانس، في منشور مطول عبر منصة «إكس»، إن الحرب على إيران كانت السبب الرئيسي وراء تراجع الحزب، متسائلاً عما إذا كان أنصار الإدارة يعتبرون أن استمرار المواجهة العسكرية يستحق خسارة السيطرة على مجلس الشيوخ خلال السنوات الست المقبلة.
وتكتسب تصريحات نائب الرئيس أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه داخل الإدارة، إذ تعكس انتقال الخلاف بشأن الحرب من دوائر المعارضة السياسية إلى قلب الفريق الحاكم، وتكشف عن تباينات بشأن كلفة الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وتأثيره على الأولويات الداخلية للناخبين.
ورغم انتقاده الواضح لقرار الحرب، حرص فانس على عدم تحويل خلافه مع ترمب إلى مواجهة مباشرة، مشيراً إلى أن الرئيس نفسه أقر بالتكلفة الانتخابية لهذا الخيار، في موقف يعكس محاولة للحفاظ على التوازن بين طموحاته السياسية المستقبلية وعلاقته بالرئيس.
ديسانتيس: هزيمة بحجم ضربة نيزك
من جهته، وصف حاكم ولاية فلوريدا الجمهوري رون ديسانتيس نتائج الانتخابات بأنها أشبه بـ«ضربة نيزك»، محذراً من أن الحزب يواجه أزمة انتخابية غير مسبوقة قد تمتد آثارها إلى السنوات المقبلة.
واعتبر ديسانتيس أن خسارة الجمهوريين مواقع انتخابية في ولايات اعتادوا تحقيق نتائج قوية فيها، وعلى رأسها تكساس، تمثل مؤشراً على عمق الأزمة، وليس مجرد موجة انتخابية عابرة لصالح الديمقراطيين.
وفي محاولة لتمييز تجربته السياسية عن أداء الجمهوريين في واشنطن، أشار إلى احتفاظ حزبه بمواقع مهمة في فلوريدا، معتبراً أن ذلك يعكس ثقة الناخبين في إدارته للولاية، وأن نتائج الانتخابات الوطنية تعبر بدرجة كبيرة عن رفض أداء الإدارة الاتحادية، وليس بالضرورة عن تبني الناخبين برنامج الديمقراطيين بالكامل.
خلاف حول هوية الحزب ومستقبله
وفي اتجاه مختلف، دعا السيناتور الجمهوري جون كيرتس إلى مراجعة أعمق لمسار الحزب، معتبراً أن الجمهوريين ابتعدوا تدريجياً عن عدد من المبادئ التقليدية التي شكلت هويتهم السياسية والاقتصادية.
وانتقد كيرتس تغليب الخطاب الشعبوي على مبادئ التجارة الحرة والانضباط المالي، فضلاً عن تراجع الدور القيادي الأمريكي على الساحة الدولية، محذراً من أن هذه التحولات ساهمت في إضعاف الثقة بالحزب.
كما ربط بين تداعيات الحرب على إيران والاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة، وبين تصاعد أعباء الدين العام وتوالي الفضائح السياسية، معتبراً أن الإدارة لم تنجح في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الذي وعدت به الناخبين.
وتكشف هذه المواقف عن وجود تباين داخل الحزب بشأن أسباب الهزيمة وطبيعة الإصلاح المطلوب؛ ففي حين ينتقد فانس ترمب بسبب الابتعاد عن شعار «أمريكا أولاً» والانخراط في حرب خارجية، يرى كيرتس أن المشكلة تتجاوز التدخل العسكري إلى التخلي عن المبادئ الاقتصادية والسياسية التقليدية للجمهوريين.
الابتعاد عن ترمب بدأ قبل صناديق الاقتراع
ولم تكن الانتقادات التي ظهرت بعد إعلان النتائج مفاجئة بالكامل، إذ سبقتها مؤشرات على اتساع المسافة بين عدد من المرشحين الجمهوريين والرئيس ترمب خلال الحملات الانتخابية.
فقد تجنب بعض مرشحي الحزب إبراز ارتباطهم بالرئيس، وابتعد آخرون عن إشراكه في فعالياتهم الانتخابية، في محاولة لتفادي انعكاس تراجع شعبيته على فرصهم في الفوز.
وكانت الحرب على إيران من أبرز الملفات التي أثارت الحرج داخل الحملات الجمهورية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من تأثيرها على أسعار الطاقة والوقود والمواد الأساسية، في وقت كان فيه الناخب الأمريكي ينتظر حلولاً للمشكلات الاقتصادية والمعيشية.
ترمب يرفض الاعتراف بالمسؤولية
في المقابل، رفض الرئيس دونالد ترمب تحميله المسؤولية المباشرة عن الهزيمة، معتبراً أنه لم يكن مرشحاً في الانتخابات، وأن الناخبين لم يقتنعوا بالأسماء التي اختارها الحزب لخوض السباق.
غير أن هذا التفسير يواجه انتقادات داخل المعسكر الجمهوري نفسه، بالنظر إلى تدخل ترمب المباشر في الانتخابات التمهيدية ودعمه عدداً من المرشحين الذين انتهت حملاتهم بالخسارة، ومن بينهم كين باكستون في تكساس، وفيفيك راماسوامي في أوهايو، ومايكل واتلي في نورث كارولينا.
كما أظهرت استطلاعات الرأي السابقة للاقتراع تراجع نسبة تأييد الرئيس إلى مستويات متدنية، إذ أشار استطلاع أجرته رويترز بالتعاون مع إبسوس إلى وصولها إلى نحو 32%، فيما اعتبر عدد كبير من الناخبين المستقلين أن تصويتهم في انتخابات الكونغرس يمثل موقفاً معارضاً لترمب.
ورغم هذه المؤشرات، لم يُظهر الرئيس استعداداً للتراجع عن خياراته الخارجية، إذ أكد أنه كان سيتخذ قرار مهاجمة إيران مجدداً لو أتيحت له الفرصة، حتى بعد الانتقادات التي وجهها نائبه للحرب.
وبحسب ما نقلته رويترز عن مسؤول في البيت الأبيض، فإن استطلاعات داخلية حذرت الإدارة، قبل الانتخابات بنحو ستة أسابيع، من احتمال خسارة مجلسي الكونغرس، غير أن التحذيرات لم تدفع ترمب إلى تغيير موقفه من الحرب.
أزمة القيادة تصل إلى الكونغرس
وامتدت تداعيات الهزيمة إلى البنية القيادية للحزب الجمهوري داخل المؤسسة التشريعية، بعدما أعلن رئيس مجلس النواب مايك جونسون عدم سعيه للاحتفاظ بقيادة الجمهوريين في المجلس الجديد، عقب الفشل في حماية الأغلبية.
ويُعد قرار جونسون مؤشراً إضافياً على حجم الارتباك الذي يعيشه الحزب، خصوصاً أنه كان من أبرز المدافعين عن أجندة ترمب السياسية والتشريعية خلال الفترة الماضية.
وبدأت بالفعل التحركات للتنافس على خلافته، مع بروز أسماء ستيف سكاليز وجيم جوردان، في سباق قد يعكس بدوره طبيعة التوازنات الجديدة بين التيار المحافظ التقليدي والجناح الأكثر التصاقاً بترمب.
ولم يتوقف الانقسام عند المؤسسات السياسية، بل وصل إلى المنابر الإعلامية المحافظة المؤثرة في قواعد حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» (ماغا)، حيث حمّل المعلق اليميني مات والش الرئيس مسؤولية الخسارة، رابطاً بينها وبين الحرب على إيران وارتفاع أسعار الوقود والغذاء والابتعاد عن شعار «أمريكا أولاً».
في المقابل، دافع معلقون محافظون آخرون عن ترمب، ووجهوا انتقاداتهم إلى قيادات الكونغرس، متهمين إياها بالفشل في تنفيذ برنامجه السياسي، وهو ما يعكس انقساماً متزايداً داخل القاعدة المحافظة نفسها.
ما بعد الهزيمة.. هل يتفكك تحالف ترمب؟
تضع هذه التطورات الحزب الجمهوري أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية، يتجاوز البحث عن أسباب الخسارة الانتخابية إلى تحديد مستقبل القيادة والاتجاه الأيديولوجي للحزب.
فترمب الذي بنى نفوذه على قدرته على توحيد قطاعات واسعة من المحافظين والشعبويين حول مشروع «أمريكا أولاً»، يجد نفسه اليوم أمام انتقادات من داخل معسكره، بعضها يرفض التورط العسكري الخارجي، وبعضها الآخر يطالب بالعودة إلى المبادئ الاقتصادية التقليدية، فيما بدأت شخصيات جمهورية بارزة تتعامل مع الهزيمة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
ويبرز جيه دي فانس في قلب هذه المعادلة، باعتباره نائب الرئيس وأحد أبرز الأسماء المحتملة في الحسابات السياسية لعام 2028، الأمر الذي يجعل مواقفه من الحرب والسياسات الخارجية محط اهتمام، ويطرح تساؤلات بشأن ما إذا كان بصدد بناء مساحة سياسية مستقلة عن ترمب، أم أنه يسعى إلى إعادة صياغة إرث الإدارة من داخلها.
وفي المحصلة، لا تبدو الهزيمة مجرد انتكاسة انتخابية عابرة للجمهوريين، بل لحظة كاشفة عن تناقضات ظلت مؤجلة داخل الحزب، وبدأت تطفو على السطح مع تراجع النتائج وتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يتمكن ترمب من احتواء التمرد الداخلي وإعادة توحيد الجمهوريين، أم أن خسارة الكونغرس ستتحول إلى بداية تفكك التحالف الذي شكل العمود الفقري لنفوذه السياسي؟

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى