ماالأسس العلمية لمسح الظروف المعيشية الذي كشف تراجع الفقر في موريتانيا؟

استندت النتائج النهائية للمسح الدائم حول الظروف المعيشية للأسر في موريتانيا للفترة 2025-2026 إلى بيانات إحصائية أعدتها الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديمغرافي والاقتصادي، بالتعاون مع البنك الدولي، بهدف قياس تطور مستويات المعيشة ورصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2025.
ويُعد المسح، في نسخته الثامنة، أداة إحصائية رئيسية لتقييم الأوضاع المعيشية للأسر، من خلال مجموعة من المؤشرات المتعلقة بالفقر النقدي والفقر المدقع والفقر متعدد الأبعاد، إلى جانب مؤشرات التعليم والصحة والنفاذ إلى الخدمات الأساسية.
أولاً: قياس الفقر وفق مؤشرات نقدية واجتماعية
اعتمد المسح على مؤشرات متعددة لتقييم مستويات الفقر، أبرزها معدل الفقر النقدي الذي يقيس نسبة السكان الذين تقل مستويات معيشتهم عن خط الفقر المعتمد، ومعدل الفقر المدقع الذي يعكس أوضاع الفئات الأكثر حرماناً.
كما شمل القياس الفقر متعدد الأبعاد، الذي يتجاوز مستوى الدخل والإنفاق، ليأخذ في الاعتبار جوانب الحرمان المرتبطة بالتعليم والصحة والخدمات الأساسية.
وأظهرت النتائج تراجع معدل الفقر النقدي من 28.2% سنة 2019 إلى 25.7% سنة 2025، وانخفاض الفقر المدقع من 12.8% إلى 11.2%، فيما تراجع الفقر متعدد الأبعاد من 58.7% إلى 54.7%.
ثانياً: الإنفاق الأسري والقدرة الشرائية
شكل تطور الإنفاق الأسري أحد المؤشرات الاقتصادية الأساسية في المسح، حيث ارتفع متوسط النفقات السنوية للأسر من 189.455 أوقية جديدة سنة 2019 إلى 232.204 أوقية سنة 2025، بزيادة اسمية بلغت 22.6%.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية عند مقارنتها بالتغيرات التي شهدتها الأسعار خلال الفترة نفسها، إذ سجلت أسعار الاستهلاك ارتفاعاً بنسبة 30.6%، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 42.6%.
وتتيح هذه المقارنة تقييم تطور القدرة الشرائية للأسر، مع ضرورة التمييز بين ارتفاع الإنفاق بالقيمة النقدية وتحسن مستوى الاستهلاك الحقيقي، الذي يتطلب احتساب أثر التضخم.
ثالثاً: مؤشرات التعليم والصحة والمياه
اعتمد المسح كذلك على مؤشرات النفاذ إلى الخدمات الأساسية باعتبارها عناصر رئيسية في قياس مستوى الرفاه الاجتماعي.
وفي مجال التعليم، ارتفع معدل الالتحاق الإجمالي بالتعليم الابتدائي من 79.9% سنة 2019 إلى 96.1% سنة 2025، بينما ارتفع المعدل في التعليم الثانوي من 31.9% إلى 36.8%.
وفي القطاع الصحي، زادت نسبة الولادات التي تتم تحت إشراف طواقم صحية مؤهلة من 73% إلى 82.7%، كما ارتفعت نسبة السكان المشمولين بالتأمين الصحي من 6.4% إلى 11.9%.
أما في مجال المياه، فقد ارتفعت نسبة الأسر التي تتوفر على حنفية مياه داخل المسكن من 39.4% سنة 2019 إلى 52.6% سنة 2025.
وتوفر هذه المؤشرات أساساً لتقييم التحولات في ظروف المعيشة، ومدى تحسن استفادة السكان من الخدمات الضرورية.
رابعاً: المقارنة الزمنية وتقييم السياسات العامة
تقوم أهمية المسح على مقارنة النتائج الحالية بالبيانات السابقة، خصوصاً نتائج مسح 2019، بما يسمح برصد اتجاهات الفقر والإنفاق الأسري والخدمات الأساسية خلال ست سنوات.
كما تتيح المؤشرات تحليل العوامل المرتبطة بتراجع الفقر، حيث تشير النتائج الأولية المنشورة سابقاً إلى أن تحسن مستويات معيشة الأسر كان العامل الأبرز في انخفاض الفقر النقدي، مع مساهمة إضافية لآليات إعادة توزيع الدخل.
وتوفر هذه البيانات مرجعاً لتقييم السياسات الاجتماعية والاقتصادية، بما فيها برامج الحماية الاجتماعية والتحويلات الموجهة للأسر الهشة.
بحجم العينة، وتصميمها، وأوزانها الإحصائية، وخط الفقر المعتمد، وآليات احتساب المؤشرات، ضرورية لاستكمال التقييم العلمي الدقيق للنتائج.
وتشكل المعطيات المنشورة أساساً مهماً لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية في موريتانيا، كما تتيح للقطاعات الحكومية وشركاء التنمية توجيه البرامج الاجتماعية وفق مؤشرات قابلة للقياس والمقارنة.
ومن الناحية العلمية، فإن ارتفاع الإنفاق الأسري بنسبة 22.6% لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية بالنسبة نفسها، خصوصاً أن التضخم المعلن خلال الفترة تجاوز هذه النسبة؛ وهو ما يستدعي الرجوع إلى الإنفاق الحقيقي بعد تعديل أثر الأسعار، قبل استخلاص نتائج نهائية بشأن تحسن الاستهلاك ومستوى المعيشة.









