تصاعد حرب المسيّرات في السودان.. غارات نيالا تخلّف قتلى وجرحى وتهدد المدنيين والبنية التحتية

لليوم الخامس على التوالي، واصل الجيش السوداني قصف أهداف تابعة لقوات الدعم السريع في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري والإداري لتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، بقيادة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي».
ويضع مراقبون وخبراء عسكريون الغارات الجوية على نيالا ضمن موجة متصاعدة من الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة، في ظل تصعيد ميداني متزامن بين طرفي الصراع، الأمر الذي يفاقم المخاطر التي يتعرض لها المدنيون.
وسجّل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مقتل ما لا يقل عن 306 أشخاص وإصابة مئات آخرين جراء غارات الطائرات المسيّرة.
ووفق تقرير أعلنه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الجمعة الماضية، استهدفت الغارات، التي نسبها التقرير إلى الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مواقع مدنية ومنشآت حيوية، بينها منازل وأسواق ومستشفيات ومراكز إيواء النازحين، إلى جانب محطات توليد الكهرباء ومصادر المياه.
وأدان تورك بشدة تصاعد هجمات المسيّرات في مختلف أنحاء السودان خلال الشهر الجاري، محذرا من تداعياتها المدمرة على المدنيين في كردفان ودارفور والنيل الأزرق والخرطوم وولايات أخرى.
قتلى وجرحى في قصف سوق بنيالا
نقلت وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء، عن مصدر طبي وشهود أن 21 شخصا قُتلوا وأصيب أكثر من 40 آخرين، مساء الاثنين، جراء هجوم بطائرة مسيّرة استهدف سوقا في مدينة نيالا.
وقال أحد العاملين في الفرق الطبية بمستشفى نيالا إن القصف أسفر عن مقتل 21 شخصا وإصابة أكثر من 40 بجروح، من دون أن يتمكن من تحديد عدد مقاتلي قوات الدعم السريع بين الضحايا.
في المقابل، أعلن تحالف «تأسيس» مقتل 102 من المدنيين وإصابة 113 آخرين جراء غارات للجيش استهدفت سوق حي دوماية في نيالا مساء الاثنين.
وحمّل التحالف الجيش السوداني مسؤولية الهجوم، واعتبره انتهاكا خطيرا للضمانات التي يكفلها القانون الدولي الإنساني، داعيا المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عملية لحماية المدنيين.
وكانت منصات قريبة من قوات الدعم السريع قد نقلت، مساء الاثنين، عن مصادر في تحالف «تأسيس» أن حصيلة القصف بلغت 18 قتيلا ونحو 50 مصابا.
نهج عملياتي جديد للجيش السوداني
كثّف الجيش السوداني، منذ نحو أسبوع، طلعاته الجوية باستخدام الطائرات المسيّرة والمقاتلات، مستهدفا مواقع لقوات الدعم السريع في نيالا.
وأفادت مصادر عسكرية تحدثت إلى «الجزيرة نت» بأن العمليات أسفرت عن تدمير مقار للقيادة والسيطرة ومواقع لإقامة قادة عسكريين، فضلا عن مقر الفرقة 16 مشاة ومخابئ ونقاط تمركز للقوات، إلى جانب منظومة للدفاع الجوي في محيط مطار نيالا.
وذكرت مصادر محلية في جنوب دارفور أن إحدى الغارات استهدفت، مساء الاثنين، مركزا للتدريب العسكري في منطقة دوماية، يقع بالقرب منه سوق محطة تنقوج الليلي الذي يرتاده مجندون ومدنيون، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.
من جهته، قال محمد ديدان، الناطق باسم قوات العمل الخاص المقاتلة إلى جانب الجيش، إن سلاح الجو السوداني استهدف ستة مواقع داخل نيالا، موضحا أن قصف معسكر دوماية التابع لقوات الدعم السريع غربي المدينة أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المجندين.
وأشار ديدان، في منشور على منصة فيسبوك، إلى أن الجيش يتبع نهجا عملياتيا يركز على استهداف مواقع الإمداد والتجمعات العسكرية داخل المدن، بدلا من الاقتصار على التحركات العسكرية في خطوط المواجهة الأمامية، بهدف إضعاف مواقع الدعم السريع وقطع خطوط إمدادها.
وجاءت الغارة الأخيرة على نيالا بعد ساعات من هجمات مكثفة بطائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع، استهدفت خمس محطات كهرباء في ولايات الجزيرة والنيل الأبيض وسنار والقضارف بوسط السودان وشرقه. وقالت الحكومة السودانية إن الطائرات المسيّرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية.
ويرى مراقبون أن هذه الهجمات تمثل حلقة جديدة في حرب المسيّرات المتبادلة، التي باتت تشكل تهديدا متزايدا للبنية التحتية والمرافق الحيوية، متجاوزة نطاق العمليات التكتيكية المحدودة في مناطق المواجهة.
اتهامات بتدخل أطراف خارجية
اتهمت مصادر عسكرية سودانية قوات الدعم السريع باستهداف المدنيين بصورة مباشرة وتدمير المؤسسات الخدمية باستخدام طائرات مسيّرة تنطلق من وراء الحدود، معتبرة أن قوى خارجية تدعم هذه القوات وتسعى إلى إضعاف الدولة وإثارة الاضطرابات في البلاد، على حد قولها.
وأضافت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها في تصريحات لـ«الجزيرة نت»، أن قوات الدعم السريع استهدفت بخمس طائرات مسيّرة محطات كهرباء في وسط البلاد وشرقها، إلى جانب محطة كهرباء في غرب أم درمان، ما تسبب في انقطاع التيار عن مستشفيات ومحطات مياه ومدارس وجامعات ومصانع.
كما اتهمت المصادر قوات الدعم السريع بتحويل مؤسسات مدنية في دارفور وكردفان إلى مقار عسكرية ومراكز لتجميع المقاتلين الأجانب والسودانيين وتدريبهم، مشيرة إلى أن القوات تصف هذه المواقع بأنها مدنية عندما تتعرض للقصف.
وأكدت المصادر أن الجيش لا يستهدف المدنيين، مستشهدة، بحسب روايتها، بنزوح سكان من المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع إلى مناطق آمنة خاضعة لسيطرة الجيش.
كلفة إنسانية كارثية
قال الخبير العسكري محمد إسماعيل، في تصريحات لـ«الجزيرة نت»، إن الطائرات المسيّرة أصبحت من أكثر أدوات الحرب تأثيرا في العمليات العسكرية، لكن توسع استخدامها أدى إلى امتداد مخاطرها إلى المدنيين وارتفاع كلفتها الإنسانية.
وأوضح أن تزايد الاعتماد على هذه الطائرات يعكس تحولا في طبيعة العمليات العسكرية، نظرا إلى قدرتها على ممارسة ضغط نفسي على الخصم، وإشعاره بانعدام الأمان حتى في المناطق الخلفية، فضلا عن استهداف معنويات القيادات والمقاتلين وإحداث حالة مستمرة من الارتباك في الخطط والتحركات.
ورغم المكاسب التكتيكية التي قد تحققها أطراف الصراع باستخدام الطائرات المسيّرة، فإن اتساع نطاق استخدامها خلّف، بحسب الخبير العسكري، تداعيات إنسانية خطيرة، تمثلت في سقوط أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير بنى تحتية حيوية، نتيجة وقوع الغارات في مناطق مأهولة بالسكان.









