منوعات

مشروع «تيرس» لليورانيوم.. موريتانيا تقترب من دخول سوق استراتيجية وسط تحديات التمويل والجدوى

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


تقترب موريتانيا من مرحلة مفصلية في مساعيها لدخول سوق إنتاج اليورانيوم، مع اقتراب مشروع «تيرس» الذي تطوره شركة «أورا إنرجي» الأسترالية من استكمال الدراسات الفنية والمالية اللازمة لاتخاذ القرار النهائي بشأن الاستثمار، وسط رهانات متزايدة على استقطاب التمويل وتأمين الشراكات الاستراتيجية.
ويأتي المشروع في وقت يشهد فيه سوق اليورانيوم العالمي اهتماماً متنامياً، مدفوعاً بتوجه عدد من الدول إلى تعزيز الاعتماد على الطاقة النووية وتنويع مصادر إمداداتها، ما يمنح موريتانيا فرصة محتملة للاستفادة من التحولات الجارية في قطاع الطاقة، شريطة تجاوز العقبات التمويلية والتقنية والبيئية التي لا تزال تحيط بالمشروع.
تأجيل الدراسة المصرفية يمدد انتظار القرار الاستثماري
تتجه «أورا إنرجي» إلى نشر الدراسة المصرفية للجدوى الاقتصادية لمشروع «تيرس» في منتصف أكتوبر 2026، بعد تأجيل موعدها، في خطوة تمثل محطة أساسية لتحديد المتطلبات المالية والفنية اللازمة للانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
ومن المنتظر أن تفتح نتائج الدراسة الباب أمام تكثيف جهود تأمين التمويل، تمهيداً لاتخاذ القرار النهائي بالاستثمار، فيما تستهدف الشركة استكمال ترتيبات التمويل قبل نهاية العام الجاري.
ويعكس تأجيل الدراسة استمرار الحاجة إلى استكمال التقييمات الضرورية لمشروع يجمع بين متطلبات التطوير المنجمي وتكاليف المعالجة والبنية التحتية والضوابط البيئية، وهي عوامل ستحدد مدى قدرة الشركة على الانتقال من مرحلة التطوير إلى الإنتاج التجاري.
وتتولى شركة «تيريس ريسورسز» تطوير المشروع، وتملك «أورا إنرجي» الأسترالية 85% منها، مقابل حصة تبلغ 15% للدولة الموريتانية، ممثلة في الوكالة الوطنية للبحوث الجيولوجية والأملاك المعدنية (ANARPAM)، وفق المعطيات الواردة في التقرير الأصلي.
مؤشرات اقتصادية واعدة تنتظر التحديث
تستند التقديرات الاقتصادية المتاحة للمشروع إلى دراسة أُنجزت في سبتمبر 2024، توقعت عمراً تشغيلياً يصل إلى 25 عاماً، بمتوسط إنتاج سنوي يبلغ نحو 1.8 مليون رطل من ثالث أكسيد اليورانيوم، مع قدرة إنتاجية اسمية تصل إلى مليوني رطل سنوياً.
وقدرت الدراسة الاستثمار الأولي بنحو 230 مليون دولار، فيما بلغت القيمة الحالية الصافية بعد الضرائب قرابة 499 مليون دولار، مع معدل عائد داخلي يناهز 39%، على أساس سعر افتراضي لليورانيوم يبلغ 80 دولاراً للرطل.
ورغم جاذبية هذه المؤشرات، فإنها تظل مرتبطة بالفرضيات الاقتصادية والفنية التي بُنيت عليها دراسة 2024، ما يجعل تحديثها أمراً ضرورياً في ضوء التغيرات المحتملة في الأسعار العالمية وتكاليف التشغيل والتمويل.
وتقدر الشركة الموارد المعدنية للمشروع بنحو 91.3 مليون رطل من ثالث أكسيد اليورانيوم، غير أن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة كمية اليورانيوم القابلة للاستخراج اقتصادياً، إذ يتوقف تحديد الاحتياطيات الفعلية على نتائج التقييمات الفنية والاقتصادية المعتمدة.
مصنع تجريبي في بير أم اكرين تمهيداً للمعالجة الصناعية
بالتوازي مع التحضيرات المالية، تعمل الشركة على تعزيز جاهزيتها الفنية والتشغيلية، من خلال تطوير مصنع تجريبي في منطقة بير أم اكرين، يُرتقب بدء تشغيله في نوفمبر 2026.
ويهدف المصنع إلى اختبار الخامات وتقييم كفاءة تقنيات المعالجة المقترحة، بما يساعد على التحقق من ملاءمة العمليات الصناعية قبل الانتقال إلى نطاق إنتاج أوسع.
وتقوم الخطة الفنية على استخراج الخام من أعماق محدودة، ثم تركيزه ومعالجته باستخدام تقنية الترشيح القلوي، وهي مراحل يتعين اختبار كفاءتها عملياً لتقليل المخاطر الفنية وتحديد متطلبات التشغيل المستقبلية.
كما عززت الشركة فريقها الإداري والفني استعداداً للمرحلة المقبلة، في مؤشر على توجهها نحو استكمال متطلبات تطوير المشروع، مع تزايد أهمية الخبرات التشغيلية والمالية إلى جانب الخبرات الجيولوجية.
تمويل أمريكي محتمل وشراكات لتسويق الإنتاج
يمثل البحث عن التمويل أحد أبرز الاختبارات التي تواجه المشروع، خصوصاً مع توجه الشركة إلى توسيع دائرة الشركاء المحتملين والاستفادة من اهتمام المؤسسات الدولية بقطاع اليورانيوم.
وفي هذا السياق، أفادت «أورا إنرجي» بتقدم المحادثات مع مؤسسة التمويل الأمريكية للتنمية الدولية (DFC) بشأن تمويل محتمل للمشروع، قد يتخذ أشكالاً متعددة تجمع بين الاستثمار الخاص والمشاركة الاستراتيجية وأدوات تمويل أخرى.
ونُشرت كذلك وثائق بيئية واجتماعية مرتبطة بالمشروع ضمن إجراءات التقييم الخاصة بالمؤسسة الأمريكية، تناولت قضايا المياه والنفايات المنجمية والإشعاع والنقل والسلامة.
وتكتسب هذه الجوانب أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة الحساسة لمشروعات استخراج اليورانيوم، وما تتطلبه من تدابير رقابية ومعايير صارمة لإدارة المخاطر البيئية والاجتماعية.
وفي تطور آخر، وقعت الشركة في يونيو 2026 مذكرة تفاهم غير ملزمة مع مشغّل دولي كبير في القطاع النووي، تتعلق بإمكانية الاستثمار وشراء اليورانيوم مستقبلاً، إلى جانب التعاون الفني، دون الكشف عن هوية الطرف الآخر.
وقد يوفر هذا النوع من التفاهمات قاعدة لشراكة تجمع بين التمويل وتأمين أسواق مستقبلية للإنتاج، لكنه لا يمثل، في حد ذاته، ضماناً نهائياً للاستثمار أو التزاماً مؤكداً بشراء الإنتاج.
الطلب العالمي يعزز أهمية المشروع
يتزامن تطوير «تيرس» مع توقعات بارتفاع الطلب العالمي على اليورانيوم، في ظل عودة الطاقة النووية إلى واجهة السياسات الطاقوية لعدد من الدول، باعتبارها أحد الخيارات المستخدمة لتوليد الكهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية.
ووفق التوقعات المنقولة عن الرابطة النووية العالمية، قد ترتفع احتياجات المفاعلات النووية من اليورانيوم من نحو 68,920 طناً في عام 2025 إلى أكثر من 150 ألف طن بحلول عام 2040، وفق السيناريو المرجعي.
وتدفع هذه التوقعات الدول المستهلكة إلى البحث عن مصادر مستقرة ومتنوعة للإمدادات، في وقت تحتدم فيه المنافسة الدولية على الموارد المعدنية الاستراتيجية.
وفي إفريقيا، تبرز ناميبيا بوصفها أحد المنتجين الرئيسيين لليورانيوم، بينما يشهد قطاع التعدين في النيجر تحولات على مستوى العلاقات مع الشركاء الدوليين. كما يعكس الاهتمام الأمريكي بمشروعات اليورانيوم في القارة تنامي البعد الاستراتيجي لهذا المورد في حسابات أمن الطاقة.
وفي ظل هذه التطورات، يمكن لموريتانيا أن تستفيد من موقعها المحتمل كمنتج جديد، إذا تمكن مشروع «تيرس» من تجاوز مراحله الحالية والانتقال إلى الإنتاج التجاري وفق شروط اقتصادية وفنية مستدامة.
عائدات محتملة وفرص للتشغيل.. ومخاطر بيئية قائمة
على المستوى الوطني، تشير التقديرات الواردة في دراسة الأثر المرتبطة بإجراءات التمويل إلى إمكانية تحقيق فوائد اقتصادية مباشرة لموريتانيا تصل إلى نحو 833 مليون دولار طوال العمر التشغيلي للمشروع، عبر الضرائب والرسوم وأرباح الأسهم المستحقة للدولة، استناداً إلى سعر افتراضي لليورانيوم يبلغ 80 دولاراً للرطل.
كما يُتوقع أن يوفر المشروع نحو 300 وظيفة خلال مرحلة التشغيل، مع توجه معلن لإعطاء الأولوية للعمالة الموريتانية، وهو ما قد يتيح فرصاً لتطوير المهارات المحلية ونقل الخبرات في مجال التعدين والمعالجة الصناعية.
لكن تحويل هذه التوقعات إلى مكاسب فعلية سيظل مرتبطاً بمدى قدرة المشروع على تحقيق الجدوى الاقتصادية، وحجم العائدات التي ستؤول إلى الدولة، ومستوى إشراك الشركات والعمالة المحلية في مختلف مراحل التنفيذ.
وتبرز المخاطر البيئية ضمن أبرز التحديات، خصوصاً أن المشروع يقع في منطقة صحراوية تتطلب إدارة دقيقة للموارد المائية والنفايات المنجمية ومخلفات المعالجة، إلى جانب ضمانات السلامة المرتبطة بالمواد المشعة وعمليات النقل.
وبحسب التقرير، صُنّف المشروع ضمن الفئة «أ» في إطار التقييم البيئي والاجتماعي المرتبط بالتمويل، وهو تصنيف يشير إلى احتمال وجود آثار بيئية واجتماعية مهمة تستدعي تقييماً معمقاً وتدابير رقابية مناسبة.
الاختبار الحاسم.. من الموارد المعدنية إلى الإنتاج التجاري
رغم المؤشرات الاقتصادية الواعدة والاهتمام الدولي المتزايد باليورانيوم، فإن موريتانيا لم تدخل بعد نادي المنتجين التجاريين لهذا المعدن، إذ لا يزال مشروع «تيرس» أمام سلسلة من الاستحقاقات قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج.
وتشمل هذه الاستحقاقات استكمال الدراسة المصرفية للجدوى، والتحقق من فعالية تقنيات المعالجة عبر المصنع التجريبي، وتأمين التمويل اللازم، ثم اتخاذ القرار النهائي بالاستثمار والشروع في أعمال البناء والتطوير.
وستكون نتائج هذه المراحل حاسمة في تحديد مستقبل المشروع، ومدى قدرته على التحول إلى نشاط منجمي منتج يسهم في تنويع الاقتصاد الموريتاني وتعزيز إيرادات الدولة وخلق فرص العمل.
وبالنسبة إلى نواكشوط، لا يقتصر التحدي على استغلال مورد معدني جديد، بل يمتد إلى ضمان توزيع عادل ومستدام للعوائد، وتعزيز المحتوى المحلي، وحماية البيئة، وتفادي أن تتحول التوقعات الاستثمارية الكبيرة إلى مكاسب أقل من المأمول.
وبذلك، يقف مشروع «تيرس» عند مفترق طرق بين فرصة استراتيجية تتيح لموريتانيا دخول سوق عالمية ذات أهمية متزايدة، واختبار اقتصادي وفني وبيئي سيحدد مدى قدرة البلاد على تحويل مواردها المعدنية إلى قيمة مضافة حقيقية.
ملاحظة تحريرية: أُعيد بناء النص بأسلوب صحفي مستقل، مع الحفاظ على الأرقام والمعطيات الواردة في المادة الأصلية، وتجنب عرض التوقعات والاتفاقات الأولية بوصفها نتائج استثمارية مؤكدة. يُستحسن التحقق من الأسماء الرسمية للجهات والمؤسسات ومن آخر مستجدات المشروع قبل النشر.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى