محمد السادس يرسم ملامح المرحلة المقبلة: استراتيجيات اقتصادية جديدة وتحذير من تعثر اللامركزية

وضع العاهل المغربي الملك محمد السادس، في خطاب ألقاه أمام مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، ملامح المرحلة المقبلة، محدداً جملة من الأولويات الاقتصادية والإدارية والدبلوماسية، في مقدمتها إطلاق استراتيجيات جديدة لتعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتطوير التصنيع والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تسريع نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات، وتعزيز دور القطاع الخاص في دفع عجلة التنمية.
ووجّه الملك، في خطابه الذي يأتي عقب الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في 23 سبتمبر الماضي، رسائل مباشرة إلى الحكومة المقبلة والمؤسسات المنتخبة، شدد فيها على ضرورة الانتقال من تنفيذ المشاريع المبرمجة إلى بناء سياسات تنموية أكثر استجابة للتحولات الاقتصادية والجيوسياسية، مع تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.
استراتيجيات جديدة لتعزيز السيادة الاقتصادية
وأكد العاهل المغربي أن المرحلة المقبلة تتطلب تجاوز المقاربات التقليدية في تدبير المشاريع التنموية، نحو إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى القادرة على تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتأمين الاحتياجات الأساسية للمملكة في ظل التقلبات الدولية واضطرابات سلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، برزت قضايا الأمن المائي والطاقي والغذائي ضمن أبرز الأولويات المطروحة، إلى جانب تطوير القدرات الصناعية، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية وضمان استمرارية التزود بالمواد الأساسية.
كما دعا الملك إلى الارتقاء بدور القطاع الخاص الوطني، ليصبح شريكاً استراتيجياً في التحول الاقتصادي، من خلال تحفيز الاستثمار والابتكار والتصدير، وتعزيز قدرة المقاولات على خلق فرص العمل والمساهمة في التنمية المستدامة.
وشدد الخطاب كذلك على ضرورة جعل الشباب في صلب السياسات العمومية، عبر تحسين فرص التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص، بما يساعد على تعزيز الثقة في المؤسسات ويفتح آفاقاً أوسع أمام الأجيال الجديدة.
اللامركزية تحت المجهر.. دعوة إلى إنهاء التأخر في نقل الصلاحيات
وفي محور التنمية الترابية، وجّه الملك محمد السادس رسالة واضحة بشأن ضرورة تسريع تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، معتبراً أن تحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف مناطق المملكة يظل رهيناً بتمكين الجهات من الأدوات الضرورية للاضطلاع بأدوارها.
وانتقد العاهل المغربي استمرار التأخر في تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، مؤكداً أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» في نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية اللازمة من الإدارة المركزية إلى المصالح الترابية.
ودعا إلى معالجة الاختلالات التي تحد من أداء مؤسسات الجهات، وتوضيح اختصاصاتها، وتعزيز إمكاناتها المادية والبشرية، فضلاً عن إرساء آليات فعالة للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، بما يتيح اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع على نحو أقرب إلى احتياجات المواطنين.
وتعكس هذه التوجيهات توجهاً نحو إخضاع اللامركزية لاختبار عملي، يتجاوز الاعتراف القانوني باختصاصات الجهات إلى تمكينها الفعلي من الموارد والصلاحيات اللازمة. كما تضع الإدارة العمومية أمام تحدي تقليص الفجوة بين القرارات المتخذة مركزياً وانتظارات السكان في مختلف المناطق.
الهجرة مع إسبانيا.. الرباط تدعو إلى مراجعة نموذج التعاون
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تناول الخطاب مستقبل التعاون الدولي في مجال الهجرة، مؤكداً أن المغرب عزز موقعه بوصفه شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، لكنه ينتظر من شركائه التعامل بالمستوى نفسه من الالتزام والمسؤولية.
واعتبر الملك محمد السادس أن المقاربة المغربية في تدبير الهجرة حققت نتائج ملموسة، غير أن نموذج التعاون المعمول به في هذا المجال «أصبح متجاوزاً»، الأمر الذي يستدعي مراجعة آلياته بما يضمن استجابة أكثر فاعلية للتحديات القائمة.
وتوقف الخطاب عند الشراكة مع إسبانيا، التي شهدت تطوراً في مجالات متعددة، من بينها مكافحة الهجرة غير النظامية، مع الإشارة إلى صعوبات مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي تعرقل، بحسب ما ورد في الخطاب، عمليات ترحيل بعض القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتتيح المجال أمام نشاط الشبكات الإجرامية.
وفي تحديد واضح لموقف المملكة من علاقاتها الخارجية، شدد العاهل المغربي على أن الشراكات الدولية تقوم على الاختيار السيادي والالتزام الإرادي، وليست مجالاً للضغط أو التهديد أو الابتزاز.
كما أعلن توجه المغرب إلى تقديم وثيقة استراتيجية جديدة لشركائه، تتضمن رؤية عملية للتعاون المستقبلي، وترتكز على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
البرلمان أمام مسؤولية الوفاء لثقة الناخبين
وفي رسالة موجهة إلى أعضاء البرلمان، أكد الملك أن الانتداب البرلماني يتجاوز حدود التمثيل السياسي، ليشكل «التزاماً سياسياً وتعاقداً أخلاقياً» تجاه المواطنين الذين منحوا ممثليهم ثقتهم عبر صناديق الاقتراع.
ودعا البرلمانيين إلى تحمل مسؤولياتهم السياسية والتشريعية، والوفاء بالتزاماتهم تجاه المواطنين، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة وتطلعات المجتمع.
أولويات متعددة واختبار التنفيذ
ويضع الخطاب الملكي الحكومة المقبلة والمؤسسات المنتخبة أمام مجموعة من الرهانات المتداخلة، تتقدمها ضرورة تعزيز السيادة الاقتصادية، وتسريع الإصلاح الإداري، وتحقيق تنمية أكثر توازناً بين الجهات، إلى جانب إعادة تقييم بعض أوجه التعاون الدولي، ولا سيما في ملف الهجرة.
غير أن التحدي الأساسي يظل في قدرة المؤسسات المعنية على تحويل هذه التوجيهات إلى إجراءات ملموسة ونتائج قابلة للقياس، سواء تعلق الأمر بتأمين الموارد الاستراتيجية، أو تحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل، أو تمكين الجهات من صلاحياتها ومواردها، أو بناء شراكات خارجية أكثر وضوحاً في الالتزامات والأهداف.
وبذلك، يرسم الخطاب ملامح مرحلة تتطلب الانتقال من تحديد الأولويات إلى تسريع التنفيذ، في ظل رهانات اقتصادية واجتماعية وإدارية ستختبر قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لتطلعات المواطنين وتعزيز تنافسية المغرب وموقعه الإقليمي .









