السكري والسمنة.. تحدٍ صحي عالمي يتطلب الوقاية والكشف المبكر

أصبح مرض السكري والسمنة من أبرز التحديات الصحية التي تواجه العالم، مع استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بهما بوتيرة متسارعة، خاصة في الدول التي نجحت سابقًا في الحد من الأمراض المعدية وتحسين متوسط العمر المتوقع.
ويرى خبراء أن انتشار السكري لا يرتبط بفشل الأفراد في تبني أنماط حياة صحية، بقدر ما يعكس التحولات الكبيرة التي شهدتها الأنظمة الغذائية وأنماط المعيشة، إلى جانب الحاجة لتطوير أنظمة الرعاية الصحية بما يواكب هذه التغيرات.
نجاح طبي قاد إلى تحديات جديدة
أسهمت التطعيمات، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطور المضادات الحيوية ورعاية الأمومة والطفولة في إطالة متوسط العمر، إلا أن هذا النجاح أدى في المقابل إلى زيادة انتشار الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر، وفي مقدمتها السكري والسمنة.
وفي الوقت نفسه، ساهمت التغيرات الغذائية في تعزيز هذه الأزمة، مع انتشار الأطعمة فائقة المعالجة والمشروبات المحلاة والوجبات مرتفعة السعرات الحرارية، مقابل تراجع الاعتماد على الأنظمة الغذائية التقليدية الغنية بالخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة.
كما أدى التوسع العمراني وأنماط الحياة الحديثة إلى انخفاض مستويات النشاط البدني، بعدما أصبح المشي جزءًا أقل حضورًا في الحياة اليومية.
مرض يتجاوز ارتفاع السكر
لا يقتصر تأثير السكري على ارتفاع مستويات الغلوكوز في الدم، بل يعد أحد أهم أسباب الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والفشل الكلوي وفقدان البصر وبتر الأطراف، كما يسهم في وفاة أكثر من مليون شخص سنويًا، إلى جانب ملايين الوفيات المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
ويمتد أثر المرض إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأسر، إذ قد يفقد المصابون قدرتهم على العمل أو يحتاجون إلى علاجات طويلة الأمد، مثل غسيل الكلى، ما يزيد من الأعباء النفسية والمالية على المرضى وذويهم.
الوقاية تبدأ قبل التشخيص
يشير الخبراء إلى أن داء السكري من النوع الثاني يمكن الوقاية منه أو تأخير ظهوره لدى نسبة كبيرة من الأشخاص من خلال الحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن.
كما تؤكد الدراسات أهمية الفحص المبكر، إذ يمكن لاختبارات بسيطة مثل قياس سكر الدم الصائم أو الهيموغلوبين السكري (HbA1c) الكشف عن مرحلة ما قبل السكري قبل سنوات من تطور المرض، ما يمنح فرصة حقيقية لتغيير نمط الحياة والحد من خطر الإصابة.
علاجات حديثة وتحديات في الوصول إليها
شهدت السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في أدوية علاج السكري، خاصة الأدوية المعتمدة على مستقبلات GLP-1، التي أثبتت فعاليتها في تحسين التحكم بمستويات السكر والمساعدة على إنقاص الوزن.
ورغم النتائج الإيجابية لهذه العلاجات، فإن ارتفاع أسعارها لا يزال يشكل عائقًا أمام كثير من المرضى، خصوصًا في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، مما يحد من الاستفادة الواسعة منها.
أهمية الفحص والمتابعة
يرى مختصون أن توفير الأدوية وحده لا يكفي، إذ يحتاج مرضى السكري إلى برامج منتظمة للكشف المبكر والمتابعة المستمرة، لضمان الالتزام بالعلاج ومنع المضاعفات.
ويؤكد الخبراء أن تجارب التعامل مع أمراض مزمنة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم، أظهرت أن كثيرًا من المرضى لا يحصلون على العلاج المناسب بسبب غياب الفحص الدوري أو الانقطاع عن العلاج، رغم توفر الأدوية بأسعار منخفضة.
الوقاية استثمار طويل الأمد
يشدد المختصون على أن معظم الأنظمة الصحية لا تزال تخصص الجزء الأكبر من ميزانياتها لعلاج المضاعفات، مقابل استثمارات محدودة في برامج الوقاية والتوعية.
ويرون أن تعزيز الوقاية من خلال تشجيع النشاط البدني، والحد من استهلاك المشروبات السكرية والأطعمة فائقة المعالجة، إلى جانب نشر الوعي الصحي وإجراء الفحوص الدورية، يمثل أحد أكثر الأساليب فاعلية للحد من انتشار المرض وتقليل أعبائه الصحية والاقتصادية.
ويؤكد الخبراء أن الاستثمار في الوقاية لا يقل أهمية عن توفير العلاج، بل يعد خطوة أساسية لحماية الأجيال المقبلة من أحد أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا وتأثيرًا على جودة الحياة.









