النزوح الداخلي والأمراض المزمنة.. معاناة صحية تتفاقم في مناطق الأزمات

تفرض النزاعات المسلحة والكوارث الإنسانية على ملايين الأشخاص مغادرة منازلهم والانتقال إلى مناطق أخرى داخل حدود بلدانهم، بحثًا عن الأمان والغذاء والرعاية الأساسية. ومع استمرار الأزمات، يتحول النزوح الداخلي إلى تحدٍ إنساني وصحي معقد، لا يقتصر على فقدان المأوى، بل يمتد إلى تدهور الحالة الصحية وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة ومضاعفاتها.
ويُعرّف النزوح الداخلي، وفق الأمم المتحدة، بأنه انتقال الأفراد قسرًا داخل حدود دولتهم نتيجة النزاعات المسلحة أو العنف أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات الاقتصادية والبيئية، دون عبور الحدود الدولية.
أرقام تكشف حجم الأزمة
بحسب تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين الصادر في يونيو/حزيران 2026، بلغ عدد النازحين داخليًا بسبب النزاعات والعنف نحو 68.7 مليون شخص مع نهاية عام 2025، بانخفاض نسبته 7% مقارنة بالعام السابق، نتيجة عودة أعداد من النازحين في دول مثل السودان وسوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، رغم أن كثيرًا من تلك العودة جرت في ظروف غير مستقرة.
ويشكل النازحون داخليًا نحو 58% من إجمالي الأشخاص الذين أجبروا على النزوح حول العالم، والذين يقترب عددهم من شخص واحد من كل 70 شخصًا على سطح الأرض.
وتتصدر السودان قائمة الدول الأكثر معاناة من النزوح الداخلي بنحو 9.1 ملايين نازح، تليها كولومبيا وسوريا واليمن وأفغانستان، فيما تواصل غزة تسجيل موجات نزوح متكررة وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
الأمراض المزمنة تتفاقم بعد النزوح
يشكل مرضى الأمراض المزمنة إحدى أكثر الفئات تضررًا في مناطق النزوح، إذ يؤدي انهيار الخدمات الصحية وصعوبة الحصول على العلاج إلى تفاقم حالتهم الصحية.
وتتراجع أولوية الرعاية الطبية لدى كثير من النازحين، الذين ينشغلون بتأمين الغذاء والمياه والمأوى، ما يؤدي إلى إهمال متابعة الأمراض المزمنة واستمرار العلاج، وهو ما يزيد من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض المزمنة مسؤولة عن نحو 63% من الوفيات عالميًا، بينما يمثل مرضا السكري وارتفاع ضغط الدم النسبة الأكبر من هذه الأمراض في العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
دراسات ميدانية تؤكد خطورة الوضع
أظهرت دراسة أجرتها كلية الطب بجامعة دنقلا في السودان على 374 نازحًا أن 42.5% منهم يعانون من أمراض مزمنة، أبرزها ارتفاع ضغط الدم والسكري واضطرابات الغدة الدرقية.
وفي قطاع غزة، كشفت دراسة نُشرت عام 2025 وشملت 968 نازحًا أن نحو 65% منهم يعانون من ارتفاع ضغط الدم، فيما بلغت نسبة المصابين بالسكري 44%، ما يعكس حجم العبء الصحي الذي تفرضه ظروف النزوح.
صعوبات تعرقل العلاج
يواجه النازحون تحديات كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية، نتيجة تدمير المستشفيات والمراكز الطبية، وانقطاع سلاسل توريد الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب الضغط الهائل على الخدمات الصحية المتبقية.
كما يؤدي ضعف المتابعة الطبية إلى تدهور أوضاع المرضى، إذ انخفضت نسبة مراجعة الأطباء بصورة منتظمة بين نازحي غزة من 96.7% قبل الحرب إلى 40.7% بعدها، وفق نتائج إحدى الدراسات.
وتسهم عوامل أخرى في زيادة المخاطر الصحية، من بينها الضغوط النفسية، وسوء التغذية، وضعف الخدمات الوقائية، وتركز الجهود الطبية على الحالات الطارئة، ما يقلل فرص علاج الأمراض المزمنة بالشكل المطلوب.
ارتفاع ضغط الدم والسكري.. مخاطر مضاعفة
ترتفع احتمالات الإصابة بارتفاع ضغط الدم بين النازحين إلى نحو ضعف المعدلات المسجلة لدى السكان المستقرين، وهو مرض يرتبط بمضاعفات خطيرة تشمل السكتات الدماغية وأمراض القلب والشرايين وفشل القلب.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن ارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه يتسبب في أكثر من 10 ملايين وفاة سنويًا حول العالم.
أما مرض السكري، فيمثل تحديًا متزايدًا في مناطق النزوح، خاصة مع انقطاع العلاج وصعوبة الحصول على الإنسولين والأدوية اللازمة. ففي سوريا، ارتفعت معدلات الإصابة بالسكري بين النازحين بعد اندلاع الحرب، فيما أصبح مئات الآلاف يعتمدون على الإنسولين بشكل يومي لتجنب المضاعفات الخطيرة.
أزمة إنسانية تحتاج إلى استجابة مستدامة
يرى مختصون أن توفير الرعاية الصحية المستمرة للنازحين، وضمان وصول الأدوية والعلاجات، وإعادة تأهيل المرافق الصحية، يمثل عناصر أساسية للحد من تفاقم الأمراض المزمنة في مناطق النزوح.
ومع استمرار الأزمات الإنسانية في عدة مناطق حول العالم، يبقى الحفاظ على صحة ملايين النازحين تحديًا يتطلب استجابة دولية طويلة الأمد، تتجاوز توفير الإغاثة العاجلة إلى بناء أنظمة صحية قادرة على تلبية احتياجات المتضررين.









