فضاء الرأي

حين تتساوى الأبواب

هناك لحظات في حياة الدول لا تُقاس بضخامة القرارات، وإنما بما تحدثه من أثر في الوجدان العام. وحين يشعر المواطن أن بابًا كان يعتقد أنه لا يُفتح إلا بمفتاح خاص قد أصبح يفتح بالمفتاح الوحيد الذي ينبغي أن تعترف به الدولة الحديثة، وهو الاستحقاق، فإن ذلك ليس إصلاحًا إداريًا فحسب، بل تصحيحٌ لفكرة العدالة نفسها.

لقد بعث اعتماد الرقمنة في مسابقات الاكتتاب، منذ لحظة الترشح حتى إعلان النتائج في زمن وجيز، برسالة تستحق التوقف عندها. فالشفافية ليست شعارًا يرفع، وإنما إجراءات تُغلق منافذ الشك، وتجعل الثقة نتيجة طبيعية لا مطلبًا مؤجلًا.

غير أن الإصلاح، بطبيعته، لا يحب أنصاف الحلول. فهو لا يستقر إلا إذا أصبح مبدأً عامًا لا يستثني مؤسسة ولا قطاعًا، لأن العدالة التي تتوقف عند حدود معينة تترك في النفوس سؤالًا أكبر من الإجابة التي قدمتها.

وفي تاريخ المجتمعات تبقى بعض الممارسات، مهما طال عمرها، مجرد أعراف غير مكتوبة، تتسلل بهدوء إلى المؤسسات حتى تبدو، مع مرور الزمن، وكأنها جزء من طبيعتها. وحين يحدث ذلك، لا يعود الناس يتساءلون عن قانونيتها، بل يعتادون وجودها، ويكتفون بتبادل الحكايات حولها. وتلك هي أخطر مراحل الخلل؛ حين يتحول الاستثناء إلى أمر مألوف.

ولعل بناء المؤسسات الوطنية كان، منذ نشأتها، قائمًا على فكرة أسمى من كل الانتماءات الضيقة، هي أن الدولة لا تسأل المواطن: من أي بيت أتيت؟ بل تسأله: ماذا تستطيع أن تقدم؟ وعندما تنتصر هذه الفكرة، يصبح ابن القرية النائية مساويًا لابن العاصمة، ويغدو الاسم العائلي مجرد تفصيل لا يمنح صاحبه امتيازًا ولا ينتقص من حق غيره.

إن المؤسسات التي تحمل السلاح دفاعًا عن الوطن، أو تتولى أمنه، أو تحفظ نظامه العام، تزداد هيبة كلما شعر المواطن أن أبوابها لا تعرف إلا معيارًا واحدًا، وأن شرف الانتماء إليها لا يُورث كما تورث الأملاك، ولا يُكتسب بالقرابة، وإنما يُنال بالجدارة والانضباط والكفاءة. فالمؤسسات القوية لا تبنى بالأسماء، وإنما تبنى بالثقة التي يمنحها لها المجتمع.

والأمر نفسه يصدق على الوظيفة العمومية كلها. فحين تصبح المناصب ثمرة منافسة نزيهة، تستعيد الشهادات قيمتها، ويستعيد الاجتهاد معناه، ويشعر آلاف الشباب أن سنوات الدراسة لم تكن رهانًا خاسرًا. أما إذا بقيت مسالك أخرى أكثر اختصارًا من طريق الكفاءة، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال ستكون بالغة القسوة، لأنها توحي بأن الجهد ليس دائمًا الطريق الأقصر إلى النجاح.

وليس أخطر على الدولة من أن ينشأ جيل يؤمن بأن المؤسسات لا تكافئ الكفاءة بقدر ما تكافئ القرب منها. فذلك يضعف الثقة، ويغذي الإحباط، ويجعل الشعور بالمواطنة يتراجع أمام الولاءات الصغيرة.

إن المرحلة التي نعيشها تتيح فرصة نادرة لإعادة بناء هذا الجسر بين المواطن ودولته. وما تحقق حتى الآن يبعث على التفاؤل، لا لأنه أنجز كل شيء، بل لأنه أثبت أن الإصلاح ممكن متى توفرت الإرادة. وما نرجوه هو أن تستمر هذه الروح حتى يصبح تكافؤ الفرص ثقافة راسخة لا مبادرة عابرة، وسياسة دائمة لا استثناء مؤقتًا.

فالدولة التي تساوي بين مواطنيها في بداية الطريق، لا تحتاج كثيرًا إلى إقناعهم بحبها في نهايته. ذلك أن العدالة، قبل أن تكون نصوصًا وقوانين، هي الشعور العميق بأن الأبواب كلها فُتحت بالمفتاح نفسه، وأن الوطن لم يعد يميز بين أبنائه إلا بما يقدمونه له.

حمادي سيدي محمد آباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى