ثقافة

حين يفتح تشخيص الأزمة باب الإصلاح: في الحاجة إلى إعادة بناء المدرسة الوطنية

ليس كل ما يكتب عن التعليم يمرّ مرورًا عابرًا، فبعض المقالات تملك القدرة على تحريك الأسئلة الكبرى وإثارة أولئك الذين ما زالوا يحملون همّ هذا القطاع ويشعرون بالمسؤولية تجاه مستقبله. ومن هذا النوع مقال الأستاذ الدكتور محمد عبد الله ولد بين الموسوم بـ “الإصلاح التربوي يبدأ من القاعدة لا من القمة”، الذي لم يكتف بعرض خلل جزئي في منظومتنا التعليمية، بل أعاد توجيه النظر إلى أصل الإشكال: فلسفة المسار التعليمي برمته.

لقد أحسن الكاتب حين انطلق من مراجعة آليات تقييم الباكلوريا، لكنه تجاوز حدود النقاش حول امتحان بعينه، ليطرح السؤال الأعمق: أين يبدأ الإصلاح الحقيقي؟ وهو سؤال يقودنا بالضرورة إلى أن المدرسة لا تُصلح من نهايتها، وإنما من جذورها.

وفي هذا السياق، فإن المداخلة التي أثارتها قضية إصلاح الباكلوريا تستحق التقدير، لأنها تعكس استشعارًا بوجود اختلال في المنظومة. ومن الإنصاف أيضا أن نلتمس العذر لمعالي وزير الداخلية في حدود زاوية النظر التي تناول منها الموضوع؛ فهو لم يتحدث من موقع الاختصاص التربوي المباشر، وإنما من موقع مسؤول وطني استشعر خللا يمس أحد أهم مقومات الدولة. وربما لهذا السبب اتجه النظر إلى الحلقة الأخيرة من المسار، أي شهادة الباكلوريا، باعتبارها نقطة ظاهرة من نقاط الأزمة.

غير أن عمق الإصلاح يقتضي الذهاب أبعد من ذلك. فإذا كان من غير المنصف أن يُختزل مستقبل طالب قضى اثنتي عشرة سنة في امتحان واحد، فمن باب أولى أن نتوقف عند الطفل الذي يُقصى في بداية الطريق عبر مسابقة دخول الإعدادية، وهي النقطة التي أحسن الدكتور ولد بين وضع اليد عليها. فالتعليم الأساسي لا يمكن أن يكون حقًا نظريًا إذا كان الانتقال الطبيعي داخله يخضع لحاجز إقصائي يحرم نسبة معتبرة من الأطفال من مواصلة مسارهم.

كما أن تجاوز هذه المسألة ينبغي أن يترافق مع مراجعة القيود الأخرى التي تعترض طريق التلميذ، ومنها اشتراط معدل معين في شهادة ختم الدروس الإعدادية للانتقال إلى التعليم الثانوي، لأن وظيفة المدرسة ليست فقط الفرز، بل اكتشاف القدرات وتوجيهها ومرافقة التلميذ حتى يجد المسار الأنسب له.

لكن إصلاح المخرجات لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح المدخلات، وأعني بذلك إعادة النظر في تكوين المدرسين. فالمعلم هو حجر الأساس في أي نهضة تعليمية، ولذلك فإن مدارس تكوين المعلمين تحتاج إلى رؤية جديدة تجعلها مؤسسات لإعداد نخبة تربوية قادرة على حمل الرسالة في جميع مراحل التعليم.

ومن المقترحات التي تستحق النقاش أن يعاد تنظيم هذه المدارس لتستقبل الناجحين في الباكلوريا من مختلف الشعب، فيتلقون تكوينًا أكاديميًا رصينًا في المرحلة الأولى، ثم تكوينًا مهنيًا وتربويًا متخصصًا في المرحلة اللاحقة، بما يجعل المتخرج قادرًا على التدريس وفق أسس علمية في مختلف المستويات، من السنة الأولى من التعليم الأساسي إلى نهاية المرحلة الثانوية.

كما يمكن بناء مسار تطوري داخل هذه المنظومة، بحيث يواصل أصحاب الكفاءات والتميز دراسات معمقة في مجالات التخطيط والتفتيش والتأطير التربوي، ليصبح المفتش القادم امتدادًا طبيعيًا للخبرة الميدانية، لا مجرد وظيفة إدارية منفصلة عن واقع القسم والمدرسة.

ومن شأن هذا التصور أن يساهم في إنهاء حالة الاستقطاب التي عرفها قطاع التعليم عبر الزمن بين مختلف مكوناته، حيث أصبح هناك في بعض الفترات نوع من الفصل بين التعليم الأساسي والثانوي، رغم أن كليهما ليسا إلا مرحلتين متكاملتين في بناء الإنسان.

إن قيمة مقال الدكتور محمد عبد الله ولد بين أنه لم يقدم مجرد رأي حول امتحان، بل فتح نافذة للنظر إلى التعليم باعتباره مشروع أمة. ولذلك فإن أفضل ما يمكن فعله أمام مثل هذه الكتابات هو تحويلها من مجرد نقاش إلى فرصة للتفكير الجماعي في إصلاح شامل.

فالتعليم لا يحتاج فقط إلى تعديل قوانين أو تغيير امتحانات، بل يحتاج إلى إعادة بناء فلسفته: مدرسة تستقبل الطفل ولا تقصيه، تربيه قبل أن تختبره، وتفتح أمامه طريق المستقبل بدل أن تغلقه في محطة مبكرة.

وهنا تكمن أهمية الأصوات التي تملك غيرة على هذا القطاع؛ لأنها لا تكتفي بوصف الخلل، بل تبحث عن الطريق الذي يعيد للمدرسة الوطنية دورها في صناعة الإنسان وبناء الوطن.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى