من المتبرع إلى المريض.. رحلة كيس الدم في غزة وسط انهيار بنوك الدم ونقص الإمكانات

في قطاع غزة، تبدأ رحلة كيس الدم من متبرع يمد ذراعه أملاً في إنقاذ حياة مصاب أو مريض، قبل أن يمر بسلسلة معقدة من الفحوصات والفصل والحفظ، وصولاً إلى أقسام الطوارئ والعلاج والأمراض المزمنة، في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية ضغوطاً غير مسبوقة بسبب الحرب وتزايد أعداد الجرحى والمرضى.
ويحرص يوسف أبو حلبية على التبرع بالدم كل ثلاثة أشهر، معتبراً ذلك واجباً إنسانياً ووطنياً تجاه أبناء شعبه، مؤكداً أن كل وحدة دم قد تمنح مصاباً أو مريضاً فرصة جديدة للحياة.
وقال أبو حلبية إن التبرع بالدم يمنحه شعوراً عميقاً بالانتماء والتضامن مع أبناء غزة، مشيراً إلى أن المجاعة وسوء التغذية خلال الحرب أثّرا في قدرته على الاستمرار في التبرع لفترات معينة.
وفي بنك الدم بمجمع الشفاء الطبي، أوضحت مسؤولة قسم فصل الدم تغريد الدلو أن وحدة الدم الواحدة يمكن تحويلها إلى عدة مكونات تشمل الدم المركز والبلازما والصفائح الدموية، عبر جهاز الطرد المركزي الوحيد المتبقي في شمال قطاع غزة، بعدما كان هناك أربعة أجهزة قبل الحرب.
وأضافت أن الجهاز تعرض لأضرار خلال الحصار والعمليات العسكرية، وأصبح يعمل في ظروف صعبة، بينما يضطر الطاقم الطبي إلى الاختيار بين إيقاف الخدمة أو مواصلة العمل تحت ضغط كبير لتلبية احتياجات المرضى.
وبعد عملية الفصل، تُحفظ مكونات الدم لحين صدور نتائج فحوصات الفيروسات، ثم تُخزن البلازما في مجمد وحيد يعمل بدرجات حرارة تصل إلى ما بين 70 و80 درجة مئوية تحت الصفر، في حين فقد المستشفى خلال الحرب 12 مجمداً كانت تحتوي على أكثر من خمسة آلاف وحدة بلازما بسبب انقطاع الكهرباء وتضرر البنية التحتية.
من جانبه، أكد رئيس قسم بنك الدم في مستشفى الشفاء الدكتور وائل الليثي أن القسم كان قبل الحرب يوفر نحو 40% من احتياجات وزارة الصحة الفلسطينية من الدم، باستقبال ما بين 1200 و1500 وحدة شهرياً، إلا أن الحرب أدت إلى تراجع كبير في قدرته التشغيلية نتيجة فقدان المعدات والأجهزة المخبرية.
وأشار الليثي إلى أن الطواقم اضطرت في بعض الفترات إلى إجراء الفحوصات يدوياً، كما شهدت المستشفيات حالات اضطر فيها المرضى وذووهم إلى البحث بأنفسهم عن متبرعين بسبب النقص الحاد في المخزون.
وأوضح أن الأزمة دفعت أحياناً إلى سحب وحدات دم قبل استكمال جميع الفحوصات الأولية المعتادة، تحت ضغط الإصابات المتزايدة والحاجة الملحة لإنقاذ المصابين.
وكشف ديب جمعة الراعي، المشرف على مشروع الحملات الخارجية للتبرع بالدم، أن وزارة الصحة تنظم ما بين 25 و30 حملة تبرع شهرياً، ويتم جمع ما بين 3000 و3500 وحدة دم شهرياً، في حين يتراوح الاستهلاك الفعلي بين 5500 و6000 وحدة، ما يعكس فجوة كبيرة بين المتوفر والاحتياجات الفعلية.
وأضاف أن الفصائل السالبة، وعلى رأسها فصيلة O-، تعاني نقصاً حاداً بسبب استخدامها المتكرر في حالات الطوارئ والإصابات الحرجة.
وتظهر بيانات وزارة الصحة الفلسطينية حجم التراجع الذي أصاب منظومة الدم في غزة، إذ انخفض عدد بنوك الدم العاملة من 14 بنكاً قبل الحرب إلى خمسة فقط، بينما بلغ عدد وحدات الدم المتبرع بها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية عام 2025 نحو 101,664 وحدة، مقابل صرف 217,324 وحدة من الدم ومشتقاته، ما يعكس اتساع الفجوة بين الإمدادات والاحتياجات الطبية المتزايدة.
كما شهدت الفترة نفسها تنفيذ 194 حملة تبرع بالدم بالشراكة مع مؤسسة العون الطبي للفلسطينيين، إضافة إلى 160 حملة نظمتها جمعية بنك الدم، في محاولة لتعويض النقص المتزايد في المخزون وإنقاذ حياة آلاف المرضى والجرحى في القطاع.









