حين يبدأ الإصلاح من تشخيص الداء: قراءة في خطوات إنقاذ التعليم

حين يبدأ الإصلاح من تشخيص الداء: قراءة في خطوات إنقاذ التعليم
ليس من الإنصاف أن يُطلب من أي وزير أو مسؤول أن يُصلح قطاعًا بحجم وأهمية التعليم في فترة وجيزة، خاصة إذا كان هذا القطاع قد بلغ درجة كبيرة من التردي والتعقيد عبر عقود طويلة من الاختلالات والتجارب المرتجلة. فالإصلاح الحقيقي لا يتم بالدبابات ولا بالقرارات الانفعالية السريعة، وإنما يحتاج إلى رؤية، وتشخيص دقيق، وخطة واضحة، ثم التزام صارم بتنفيذ تلك الخطة خطوة بعد أخرى. وعندما تتوفر هذه العناصر، ينبعث الأمل من جديد في إمكانية الإنقاذ، مهما كانت التحديات كبيرة.
ومن خلال المتابعة لما تقوم به وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، يبدو أن هناك توجها مختلفًا يقوم على معالجة جذور الأزمة بدل الاكتفاء بترقيع آثارها. وهذا في حد ذاته يمثل بداية صحيحة لطريق الإصلاح.
لقد عانى التعليم الوطني خلال السنوات الماضية من اختلالات عميقة، كان من أبرزها غياب الانطلاق من خصوصية البلد الثقافية والحضارية عند صياغة الإصلاحات. فكثير من السياسات التعليمية السابقة كانت أقرب إلى استنساخ نماذج جاهزة لا تراعي الواقع الاجتماعي والثقافي للبلد، ولا تنطلق من حاجاته الحقيقية وطموحاته المستقبلية. فكانت النتيجة إصلاحات منفصلة عن البيئة التي يُفترض أن تخدمها.
كما تعرض القطاع لقدر كبير من التسييس، حيث تحولت المدرسة في أحيان كثيرة إلى وسيلة لكسب الأصوات الانتخابية، أكثر من كونها مشروعًا لبناء الإنسان. وقد أدى ذلك إلى توسع غير مدروس للخريطة المدرسية، تجاوز في كثير من الأحيان قدرة الوزارة على التأطير والمتابعة والتوفير. فانتشرت المدارس دون مراعاة المعايير التربوية المطلوبة، حتى أصبح من المألوف أن توجد مدرستان صغيرتان تفصل بينهما كيلومترات قليلة، بينما تعاني مناطق أخرى من نقص حاد في البنية والخدمات.
ومع هذا التوسع غير المحسوب، أصبحت الحاجة المتزايدة إلى المدرسين تفوق القدرة الطبيعية لمنظومة التكوين، فتم اللجوء إلى التعاقد بشكل واسع، دون اشتراط الكفاءة المطلوبة دائمًا، ودخل النفوذ والوساطات إلى القطاع، الأمر الذي ساهم في ضخ مستويات هشة من التأهيل داخل المدرسة الجمهورية، وانعكس بصورة مباشرة على المخرجات التعليمية.
كما أن إصلاح سنة 1999، رغم ما حمله من طموحات، تم اعتماده في ظل غياب البنية البشرية القادرة على تطبيقه. فلم يكن هناك عدد كاف من المعلمين المفرنسين، ولا من أساتذة المواد العلمية باللغة الفرنسية، لتغطية الحاجة الفعلية. ومع ذلك تم المضي في التطبيق، وأُطلقت صفة “مزدوج” على أعداد كبيرة من المكونين دون أن يمتلكوا التأهيل الحقيقي لذلك، وهو ما خلق أزمة جودة لازالت آثارها مستمرة.
وزادت الأزمة تعقيدًا مع القرارات المرتبطة بمدارس تكوين المعلمين، حين رُفعت مدة التكوين إلى ثلاث سنوات في ظرف كانت فيه البلاد تعاني أصلًا من نقص كبير في الطواقم التربوية، خاصة بعد اتخاذ إجراءات صارمة في مسابقات الاكتتاب أدت إلى نجاح أعداد محدودة جدًا مقارنة بالحاجة الفعلية. ومع استمرار التوسع المدرسي، وتزايد أعداد المتقاعدين والمتوفين، أصبح القطاع يعيش فجوة حقيقية في الموارد البشرية.
وفي ظل هذا الواقع، استشرى كذلك الفساد الإداري المرتبط بالتفريغ والتحويلات والتعيينات التي كانت تتم في أحيان كثيرة دون معايير واضحة، الأمر الذي أثر على الاستقرار المهني، وأضعف ثقة العاملين في القطاع.
غير أن ما يبعث على التفاؤل اليوم هو أن الوزيرة الحالية، بحسب ما يلاحظه الكثيرون، بدأت من النقطة الصحيحة: دراسة الملف وتشخيص مكامن الخلل قبل إطلاق القرارات. فقد بادرت إلى ضبط التحويلات والترقيات، والعمل على الحد من الفوضى التي عرفها القطاع، كما شرعت في معالجة اختلالات الخريطة المدرسية، وهي خطوة ضرورية لإعادة التوازن بين الإمكانيات المتاحة والحاجة الفعلية.
وقد شكل تدشين مشاريع الكفالات والسكن في بعض الولايات، مثل ولاية إينشيري، مؤشرًا مهمًا على وجود رؤية تهدف إلى تجميع المدارس المتقاربة، وتوفير ظروف أفضل للمدرسين والعاملين في المناطق النائية، بدل الاستمرار في سياسة التشتت والاستنزاف.
كما أن الخطوات الأخيرة المتعلقة بوضع معايير واضحة للترقية، وبرمجة صندوق سكن المدرس، عززت لدى كثيرين الشعور بأن القطاع بدأ يدخل مرحلة جديدة عنوانها الشفافية والعدالة. بل إن بعض الذين اعتادوا انتقاد كل شيء باتوا يعترفون بأن هذه الإجراءات تُدار بدرجة معتبرة من الوضوح والنزاهة.
ولا يعني هذا أن الأمور أصبحت مثالية، فقطاع التعليم واسع ومتشعب، وقد بلغ من التردي مستوى يجعل الإصلاح مهمة شاقة وطويلة. ومن الطبيعي أن تقع أخطاء أو تظهر عراقيل أثناء التنفيذ، لكن الفرق الجوهري هو أن هناك اليوم استعدادًا للاعتراف بالخطأ وتصحيحه، بدل المكابرة أو الاستمرار في النهج ذاته.
إن إصلاح التعليم ليس مشروع شخص واحد، ولا حكومة واحدة، بل هو مشروع وطن بأكمله. غير أن وجود إرادة جادة، وخطة واضحة، وشفافية في التسيير، كلها مؤشرات تمنح الأمل بأن المدرسة الوطنية يمكن أن تستعيد دورها، وأن قطاع التعليم قد بدأ أخيرًا يخرج من دائرة الارتجال إلى منطق البناء المؤسسي الحقيقي.









