وهْم السقوط وتحولات الواقع: هل يقترب العالم من نهاية مرحلة أم بداية فوضى جديدة؟

لم يعد ممكناً قراءة ما يجري في العالم اليوم بوصفه مجرد تفاعلات عابرة أو ردود أفعال ظرفية على حرب هنا أو أزمة هناك. نحن أمام لحظة تاريخية مركبة، تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الانفعالات الشعبية، وتتشابك فيها الحسابات الاستراتيجية مع الانهيارات الأخلاقية في الخطاب الدولي.
منذ عملية طوفان الأقصى، دخل الصراع مرحلة مختلفة تماماً. لم يكن الحدث مجرد اختراق أمني أو تصعيد عسكري، بل كان زلزالاً كشف هشاشة كثير من المسلمات التي بُني عليها توازن المنطقة لعقود. فجأة، عادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش العالمي، لا كملف إنساني هامشي، بل كاختبار حقيقي لضمير النظام الدولي.
غير أن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون اليوم، هو القفز من هذا التحول إلى استنتاج حتمي مفاده أن إسرائيل على وشك السقوط، وأن العالم بدأ يتوحد ضدها. هذا التبسيط، رغم جاذبيته العاطفية، لا يصمد أمام قراءة واقعية لموازين القوة.
صحيح أن مشاهد الحرب في غزة أحدثت شرخاً عميقاً في الرأي العام الغربي، وصحيح أن أصواتاً سياسية في أوروبا – من بينها مواقف بيدرو سانشيز – بدأت تتخذ مسافة نقدية غير مسبوقة، إلا أن هذا التحول لم يصل بعد إلى مستوى القطيعة الاستراتيجية. فالقارة الأوروبية، رغم تململها، ما تزال محكومة بشبكة مصالح أمنية وعسكرية متينة ضمن إطار حلف شمال الأطلسي، ومرتبطة عضوياً بالقرار الأمريكي.
أما الولايات المتحدة، فلا تنظر إلى إسرائيل بوصفها عبئاً يمكن التخلي عنه، بل كأصل استراتيجي ثابت في معادلة الشرق الأوسط. قد تعيد واشنطن ضبط سلوك حليفتها، وقد تمارس ضغوطاً لتقليل الكلفة السياسية، لكنها لن تفرط في دورها الوظيفي ضمن منظومة النفوذ الإقليمي.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن إسرائيل تواجه اليوم واحدة من أخطر أزماتها منذ تأسيسها: عزلة أخلاقية متصاعدة، انقسام داخلي حاد، واستنزاف عسكري مفتوح على أكثر من جبهة. إنها ليست لحظة سقوط، بل لحظة تآكل بطيء، قد تكون أكثر خطورة على المدى البعيد.
وفي قلب هذا المشهد، تقف إيران كطرف أساسي في معادلة الاستنزاف. استمرار الحرب لفترة أطول قد يرهقها اقتصادياً ويضعها تحت ضغط متزايد، لكنه في الوقت ذاته يفتح على إسرائيل أبواب مواجهة طويلة لا تملك رفاهية حسمها السريع. نحن هنا أمام توازن هش، لا غالب فيه ولا مغلوب، بل إعادة توزيع مستمرة للكلفة والنفوذ.
أما على المستوى العالمي، فإن ما يتشكل أمامنا ليس “نهاية كيان”، بل نهاية نمط كامل من الهيمنة. صعود الصين، وعودة روسيا إلى واجهة الفعل الدولي، يضعان العالم على أعتاب نظام متعدد الأقطاب، أقل استقراراً وأكثر تنافسية. الشرق الأوسط، في هذا السياق، لم يعد مجرد ساحة نفوذ غربي، بل بات نقطة تقاطع لمشاريع دولية متضاربة.
وفي داخل العالم الإسلامي، بدأت ملامح تحول هادئ تتشكل. فبعد عقود من الصراعات البينية التي غذّتها الحسابات الدولية، تتجه بعض الدول نحو إعادة تموضع قائم على المصالح لا الشعارات. هذا لا يعني نهاية التناقضات، لكنه يشير إلى بداية وعي جديد بأن استمرار الانقسام يخدم الآخرين أكثر مما يخدم شعوب المنطقة.
إن أخطر ما في اللحظة الراهنة، ليس قوة طرف أو ضعف آخر، بل انتشار وهم “النهايات السريعة”. التاريخ لا يُكتب بالقفزات العاطفية، بل بالتراكمات البطيئة. وما نشهده اليوم ليس سقوطاً مدوياً، بل تحولاً عميقاً يعيد تشكيل موازين القوة والمعنى معاً.
قد لا يكون عام 2027 عام الانهيار كما يتخيله البعض، لكنه قد يكون – إذا استمرت هذه الديناميات – بداية نهاية مرحلة كاملة من الغطرسة غير المحسوبة، وبداية عالم جديد لا مكان فيه لاحتكار الحقيقة أو القوة.
وفي عالم كهذا، لن يكون السؤال: من سيسقط؟
بل: من سيتكيف… ومن سيتأخر عن فهم قواعد اللعبة الجديدة؟
حمادي سيدي محمد آباتي
صوت مستقل في قضايا الوطن والتحولات الإقليمية







