ثقافة

الديمقراطية قبل الدولة: الوهم الذي أسرتنا له النخب

حين يتحول الصراع على السلطة إلى بديلٍ عن مشروع بناء الدولة

منذ عقود، يدور الجدل السياسي في موريتانيا حول الديمقراطية والانتخابات والحوار السياسي وتوزيع السلطة، وكأن مشكلتنا الأساسية تكمن في شكل النظام السياسي لا في طبيعة الدولة نفسها. والواقع أن هذا الجدل، رغم ما يستهلكه من وقت وجهد، قد يكون أحد أسباب تأخرنا أكثر مما هو أحد حلولنا.

فالخطأ الكبير الذي وقعت فيه النخب السياسية، سلطةً ومعارضةً، هو أنها جعلت الديمقراطية نقطة البداية، بينما أثبتت تجارب الأمم أن الديمقراطية كانت في الغالب نتيجةً لنجاح بناء الدولة لا شرطًا سابقًا له.

لقد بين صموئيل هنتنغتون في كتابه الشهير “النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة” أن المشكلة الأساسية في الدول النامية ليست غياب الديمقراطية بقدر ما هي ضعف المؤسسات. فحين تتوسع المشاركة السياسية قبل بناء مؤسسات قوية وقادرة على إدارة التنافس الاجتماعي، تتحول السياسة إلى ساحة صراع دائم بدل أن تكون أداة لتنظيم المصالح وحل النزاعات.

وهذا بالضبط ما تبدو موريتانيا، وكثير من دول الجنوب، واقعة فيه منذ سنوات طويلة.

فالسلطة تتحدث عن الاستقرار بينما تؤجل الإصلاحات العميقة التي ينتج عنها استقرار حقيقي ومستدام، والمعارضة تتحدث عن الديمقراطية بينما تتجنب في كثير من الأحيان طرح الأسئلة الأكثر إزعاجًا المتعلقة بطبيعة الدولة وآليات توزيع الثروة وإصلاح المؤسسات.

وفي الحالتين يبقى المواطن خارج المعادلة.

إن التجارب الدولية الكبرى تكشف أن الدول التي نجحت في تحقيق التحول الديمقراطي لم تبدأ بصناديق الاقتراع وحدها. فكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة لم تبنِ استقرارها من خلال الجدل السياسي حول السلطة، بل من خلال بناء إدارة فعالة، وتعزيز التعليم، وتوسيع الطبقة الوسطى، وترسيخ هيبة القانون. وعندما أصبحت المؤسسات قوية بما يكفي، جاءت الديمقراطية نتيجة طبيعية وليست شعارًا يُرفع في وجه الخصوم.

أما في كثير من دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية، فقد جرى استيراد الشكل الديمقراطي دون توفير شروطه الاجتماعية والمؤسسية، فكانت النتيجة إعادة إنتاج النخب نفسها بأدوات انتخابية مختلفة.

وهنا يكمن جوهر المشكلة الموريتانية.

فالنخب السياسية عندنا تتحدث باستمرار عن الديمقراطية، لكنها نادرًا ما تتحدث عن بناء الدولة. تتحدث عن الانتخابات أكثر مما تتحدث عن العدالة. تتحدث عن التمثيل السياسي أكثر مما تتحدث عن استقلال القضاء. وتتحدث عن الحوار أكثر مما تتحدث عن الكفاءة في الإدارة العامة.

وكأن المطلوب هو تقاسم السلطة لا بناء الدولة.

الأخطر من ذلك أن جزءًا كبيرًا من الخطاب السياسي، سواء صدر عن السلطة أو المعارضة، لا يزال أسير منطق الهويات والانقسامات الاجتماعية. صحيح أن الجميع يعلن رفض العنصرية والجهوية والشرائحية، لكن الممارسة السياسية اليومية تكشف أن هذه الانقسامات ما زالت تمثل مادة خامًا للتعبئة والاستقطاب.

وليس هذا أمرًا عارضًا.

ففي علم السياسة يوجد تفسير معروف لهذه الظاهرة، يقوم على أن النخب الحاكمة عندما تعجز عن إنتاج إجماع اقتصادي أو تنموي تلجأ غالبًا إلى إدارة المجتمع عبر الانقسامات الثانوية. وهكذا يتحول النقاش من سؤال الثروة إلى سؤال الهوية، ومن سؤال العدالة إلى سؤال الانتماء.

يصبح المواطن مشغولًا بمن يشبهه أكثر من انشغاله بمن يحكمه.

ويصبح خصمه هو المواطن الآخر الذي يشاركه الفقر والتهميش، لا المنظومة التي تنتج ذلك الفقر والتهميش.

وهكذا تدخل الطبقات الدنيا والشرائح القريبة من الطبقة الوسطى في صراع دائم فيما بينها، بينما تظل مراكز النفوذ والثروة بمنأى عن المساءلة الحقيقية.

إن أخطر ما تواجهه موريتانيا اليوم ليس الانقسام الاجتماعي في حد ذاته، بل قابلية المجتمع للاستدراج إلى هذه الانقسامات كلما تعثرت التنمية أو ضاقت الخيارات السياسية.

فالمواطن الذي يفقد ثقته في المؤسسات يبحث عن الحماية في القبيلة أو الجهة أو الجماعة العرقية. وهذه ليست مشكلة أخلاقية بقدر ما هي نتيجة طبيعية لضعف الدولة الحديثة.

ومن هنا تبدو الدعوات المتكررة إلى الحوار الوطني غير كافية ما لم يسبقها اتفاق على طبيعة الأزمة نفسها.

فهل مشكلتنا أزمة حوار أم أزمة ثقة؟

وهل الخلاف الحقيقي بين الأغلبية والمعارضة يتعلق ببنود جدول الأعمال، أم يتعلق بالشكوك المتبادلة حول مستقبل النظام السياسي نفسه؟

إن الطريقة التي تعثر بها الحوار خلال الأشهر الماضية تكشف أن أزمة الثقة أعمق بكثير من الخلافات المعلنة. فمن الصعب إقناع الرأي العام بأن المشكلة تقنية أو إجرائية، بينما يدرك الجميع أن جوهر الخلاف سياسي بامتياز.

ويزيد من تعقيد المشهد أن الأغلبية الحاكمة نفسها لا تبدو كتلة متجانسة كما يُراد لها أن تظهر. فقد تشكلت خلال السنوات الأخيرة من مكونات وخلفيات سياسية متعددة، بعضها كان إلى عهد قريب جزءًا من المعارضة. ولذلك فإن ما يبدو أحيانًا خلافًا بين السلطة ومعارضيها قد يكون في بعض جوانبه انعكاسًا لتباينات داخل المعسكر الحاكم نفسه، ولتساؤلات غير محسومة حول مستقبل التوازنات السياسية بعد انتهاء المرحلة الحالية.

لكن المعارضة بدورها ليست بمنأى عن النقد.

فهي مطالبة بالإجابة عن أسئلة لا تقل أهمية عن تلك الموجهة للسلطة. فما مشروعها لبناء الدولة؟ وما رؤيتها لإصلاح الإدارة والقضاء والتعليم؟ وكيف ستتعامل مع الاقتصاد الريعي؟ وما هي خطتها لإنتاج طبقة وسطى قادرة على حماية الاستقرار الاجتماعي والسياسي؟

إن الاكتفاء بمعارضة السلطة لا يصنع بديلًا سياسيًا.

وكما أن السلطة لا تملك حق احتكار الوطنية، فإن المعارضة لا تملك حق احتكار الديمقراطية.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن الأزمة الموريتانية ليست أزمة انتخابات، وليست أزمة حوار، وليست حتى أزمة نخب سياسية فحسب.

إنها في جوهرها أزمة بناء دولة.

دولة قانون لا دولة أشخاص.

دولة مؤسسات لا دولة توازنات.

دولة مواطنين لا دولة جماعات.

فإذا نجحنا في بناء هذه الدولة، فإن الديمقراطية ستأتي بوصفها نتيجة طبيعية لمسار تاريخي ومؤسسي واجتماعي متكامل. أما إذا استمررنا في تقديم الديمقراطية بوصفها وصفة سحرية تسبق شروطها، فسنبقى ندور في الحلقة نفسها: انتخابات أكثر، وحوارات أكثر، وخطابات أكثر، لكن دولة أقل مما نحتاج، وأقل مما يستحقه هذا الوطن.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى