تصعيد الحرب يهدد أمن الطاقة العالمي ويضع أسواق النفط والغاز أمام صدمة مزدوجة

تبدو الضربات التي استهدفت منشآت النفط والغاز في الشرق الأوسط، في سياق استمرار الحرب بين Israel وUnited States من جهة وIran من جهة أخرى، في ظاهرها رسائل عسكرية محدودة ضمن تصعيد إقليمي أوسع. غير أن التدقيق في مواقعها الجغرافية وطبيعة الأهداف المختارة يكشف أن ما يحدث يتجاوز منطق الردع المتبادل، ليقترب من اختبار مباشر لأمن الطاقة العالمي وقدرة الأسواق على امتصاص صدمة متزامنة في النفط والغاز.
ويبرز إغلاق Strait of Hormuz كأحد أخطر التطورات في هذا السياق، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وحوالي خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وبالتالي فإن تعطيل هذا الممر لا يمثل مجرد اضطراب في حركة الملاحة، بل تهديدًا مباشرًا لبنية الإمدادات التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
وتشير مذكرة صادرة عن Goldman Sachs إلى أن توقف الشحن عبر المضيق لمدة شهر واحد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا والغاز المسال الفوري في آسيا بنحو 130%، لتصل إلى حوالي 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، في وقت لا تزال فيه الأسواق تسعّر المخاطر الجيوسياسية بشكل محدود.
كما ترجح تقديرات البنك الاستثماري ذاته أن ترتفع أسعار النفط بما يصل إلى 15 دولارًا للبرميل في حال الإغلاق الكامل للمضيق، مع احتمال تجاوز سعر خام Brent Crude مستوى يتراوح بين 90 و100 دولار للبرميل إذا استمر الاضطراب لفترة أطول.
ويذهب خبير الطاقة Mamdouh Salameh إلى تقديرات أكثر تشاؤمًا، إذ يرى أن الأسعار قد تصل إلى 120 دولارًا للبرميل في حال استمر الإغلاق شهرين أو أكثر، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة تقارب نقطتين مئويتين من النمو الاقتصادي العالمي، مع كلفة إجمالية قد تتجاوز خمسة تريليونات دولار خلال شهرين فقط.
صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة
تكمن خطورة المرحلة الحالية في تزامن تهديد الملاحة في مضيق هرمز مع استهداف منشآت إنتاج وتكرير الطاقة في المنطقة، من Ras Laffan Industrial City في Qatar إلى Ras Tanura في Saudi Arabia، حتى وإن كانت الأضرار المسجلة محدودة أو ذات طابع احترازي.
وفي هذا الإطار أعلنت QatarEnergy تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به بعد هجوم عسكري استهدف مرافقها التشغيلية في مدينتي راس لفان ومسيعيد الصناعيتين.
وتوضح البيانات التشغيلية للشركة أن العملاء الآسيويين يشكلون نحو 82% من قاعدة المشترين، ما يعني أن أي اضطراب ممتد في راس لفان سينعكس مباشرة على أسواق آسيا، وقد يمتد سريعًا إلى أوروبا بفعل الترابط الوثيق في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وتزداد حساسية هذا التطور بالنظر إلى أن إنتاج قطر يمثل نحو 20% من الإمدادات العالمية للغاز المسال، فضلًا عن كونها ثاني أكبر مصدر لهذه المادة عالميًا بعد United States. ويعني ذلك أن أي توقف في الإنتاج قد يؤدي إلى إعادة تسعير العقود الفورية، وإعادة التفاوض على الشحنات، وارتفاع علاوة المخاطر في سلاسل الإمداد.
توقفات احترازية تضغط على سوق النفط
لم تقتصر إشارات الاضطراب على دول الخليج، إذ أعلنت شركات طاقة عاملة في Kurdistan Region في Iraq – من بينها DNO وGulf Keystone Petroleum وDana Gas وHKN Energy – تعليق الإنتاج في بعض الحقول ضمن إجراءات احترازية، دون تسجيل أضرار مباشرة.
وكان الإقليم قد صدّر في فبراير نحو 200 ألف برميل يوميًا عبر خط أنابيب يصل إلى ميناء Ceyhan في Türkiye، ما يعني أن أي توقف ولو محدود يضيف طبقة جديدة من الضغوط على سوق تحاول بالفعل تسعير مخاطر إغلاق هرمز والهجمات على البنية التحتية للطاقة.
ويعزز هذا التداخل بين اضطراب الغاز في قطر والتوقفات الاحترازية في إنتاج النفط احتمالات حدوث “صدمة مزدوجة” في أسواق الطاقة: الأولى في سوق الغاز المسال التي تعتمد بشكل كبير على الإمدادات القطرية، والثانية في سوق النفط حيث تزداد حساسية الأسعار لأي مؤشرات على نقص الإمدادات أو صعوبة الشحن.
وفي هذا السياق يشير خبير الطاقة Nihad Ismail إلى أن أقساط التأمين على ناقلات النفط العملاقة ارتفعت من نحو 200 ألف دولار إلى 400 ألف دولار، كما أن انسحاب سبع شركات تأمين من أصل 12 من تغطية شحنات النفط في الخليج يقلص فعليًا المعروض المتاح في السوق حتى دون إغلاق رسمي كامل للمضيق.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة لا يبقى محصورًا في سوق النفط، بل ينتقل سريعًا إلى تكاليف النقل والصناعة والغذاء، وهو ما سبق أن ظهر بوضوح خلال تداعيات Russian invasion of Ukraine.
أوروبا بين المخزون والضغط السعري
تبدو أوروبا الأكثر هشاشة في معادلة الغاز، إذ أظهرت الأسواق الأوروبية حساسية كبيرة تجاه التطورات الأخيرة، حيث قفزت الأسعار بنحو 50% عقب إعلان قطر للطاقة وقف الإنتاج.
ويرى أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية Kamil Al‑Sari أن الاتحاد الأوروبي يمتلك مخزونات تكفي لأسابيع، كما أن عدة دول رفعت احتياطياتها مسبقًا تحسبًا لأي تصعيد في المنطقة، غير أن ذلك لا يمنع انتقال الصدمة بسرعة إلى المستهلكين.
ويتوقع الساري أن تعكس شركات النقل ارتفاع تكاليف الطاقة على أسعار السلع، ما يؤدي إلى انتقال الضغوط مباشرة إلى المستهلك النهائي، سواء عبر أسعار الغذاء أو المنتجات الصناعية.
ورغم هذه الضغوط، من المرجح أن يحافظ European Union رسميًا على خطته للتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي بحلول عام 2027، غير أن الظروف الحالية قد تدفع إلى مقاربات غير مباشرة مثل تأجيل بعض العقوبات أو منح استثناءات مؤقتة للدول الأكثر اعتمادًا على الإمدادات الروسية.
كما أن ارتفاع أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 90 و100 دولار للبرميل قد يضيف نحو 0.8 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يضع European Central Bank أمام معادلة صعبة بين دعم النمو الاقتصادي وكبح التضخم.
ارتدادات اقتصادية داخل الولايات المتحدة
على الرغم من أن United States تعد منتجًا ومصدرًا رئيسيًا للنفط والغاز الصخريين، فإن استمرار ارتفاع الأسعار قد ينعكس داخليًا عبر زيادة تكاليف الوقود، وهو ما يحمل تداعيات اقتصادية وسياسية.
ويشير الساري إلى أن بعض الإمدادات البديلة القادمة من أفريقيا أو عبر خطوط الأنابيب في البحر المتوسط من Algeria وLibya قد تمنح الأسواق هامشًا محدودًا للمناورة.
كما أن China، بوصفها من أكبر مستوردي النفط الإيراني، تتابع التطورات بحذر شديد، في ظل تعقيدات العقوبات الأمريكية وآليات الدفع بالدولار التي سبق أن تسببت في فرض غرامات ضخمة على مؤسسات مالية.
ورغم امتلاك الولايات المتحدة احتياطيات إستراتيجية وإنتاجًا نفطيًا مرتفعًا، فإنها لا تبقى بمنأى عن التأثيرات، إذ تستورد ما بين 7.5 و8 ملايين برميل يوميًا، ما يعني أن تجاوز الأسعار مستوى 100 دولار للبرميل قد يفرض ضغوطًا مباشرة على العجز المالي وكلفة الدعم الاستهلاكي.
ويضيف نهاد إسماعيل أن ارتفاع أسعار البنزين سيؤثر مباشرة على الناخب الأمريكي، ما يمنح الأزمة بعدًا سياسيًا داخليًا، خاصة في ظل الوعود بخفض أسعار الوقود.
كما أن استمرار التضخم المرتبط بالطاقة قد يدفع Federal Reserve إلى التريث في خفض أسعار الفائدة، وربما إعادة النظر في تشديد السياسة النقدية إذا ترسخت الضغوط السعرية.
حرب منشآت الطاقة
من جانبه يرى الباحث في شؤون الطاقة والعلاقات الدولية Khaled Fouad أن استهداف البنية التحتية النفطية يحمل دلالة سياسية تتجاوز أثره المادي المباشر، إذ يعكس استعداد إيران للذهاب إلى مستويات تصعيد مرتفعة رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة.
ويؤكد عدد من الخبراء أن مضيق هرمز يمثل “أقوى ورقة ضغط” في يد طهران لإحداث صدمة اقتصادية عالمية، غير أن استدامة إغلاقه تبقى موضع جدل.
فبينما يرجح بعض المحللين أن الحرب لن تستمر طويلًا، يحذر آخرون من أن استمرار الاضطراب، حتى لو كان جزئيًا، قد يؤدي إلى إعادة تشكيل تدفقات الطاقة عالميًا، ويدفع الدول المستوردة إلى تسريع تنويع مصادرها والاستثمار بشكل أكبر في الطاقة البديلة.









