بناء الإنسان والاستثمار فيه أولًا

يُعدّ التعليم الركيزة الأساسية في حياة الأفراد والمجتمعات على حدّ سواء، إذ لا يمكن لأمة أن تحقق النصر أو تبني حضارة راسخة دون أن تجعل من التعليم أساسًا لمسيرتها. فالتعليم ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل هو الأداة التي تصوغ وعي الإنسان وتشكّل شخصيته وتمنحه القدرة على الإسهام في تقدم مجتمعه وازدهاره. ومن هنا أدركت الأمم المتقدمة في العصر الحديث أن الاستثمار الحقيقي ليس في الموارد الطبيعية فحسب، بل في الإنسان ذاته، بوصفه رأس المال الأثمن لأي نهضة حضارية أو تنموية.
إن الفرد المؤهل علميًا وثقافيًا يمثل قيمة مضافة لمجتمعه، لذلك حرصت الدول المتقدمة على توجيه جزء معتبر من ميزانياتها لتطوير منظوماتها التعليمية، إيمانًا منها بأن بناء الإنسان هو الطريق الأكثر استدامة لبناء مجتمع قوي يستند إلى قاعدة معرفية صلبة. فحين يكون الإنسان متعلمًا واعيًا، يصبح قادرًا على الإبداع والإنتاج، وعلى حماية مجتمعه من مظاهر التخلف والضعف.
وفي المقابل، بقيت كثير من دول العالم الثالث متأخرة عن هذا الركب، نتيجة ضعف الاستثمار في التعليم والثقافة، الأمر الذي أفضى إلى تفشي الفقر المعرفي وتراجع الوعي المجتمعي. وفي هذا السياق يقول المفكر الإسلامي محمد الغزالي رحمه الله:
“إن الفقر الثقافي أسوأ عقبى من الفقر المالي، والشعب المغفل لا يصلح للمعالي، ولا يصلح لحمل رسالة كبيرة، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله فيه، وعدو لنفسه قبل أن يكون عدوا للآخرين.”
وقد عبّر أحد الشعراء عن منزلة العلم والأدب بقوله:
أدب الفتى بين الورى يعليه
والعلم في حلك الدجى يهديه
والدين والأخلاق ترفع قدره
والمال دون العقل لا يغنيه
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ما جدوى العقل إن لم يقترن بالعلم؟ فالعقل بلا معرفة يظل طاقة معطلة، لا تستطيع أن تهدي صاحبها إلى طريق التقدم والازدهار.
لقد بقيت مجتمعاتنا، في كثير من جوانبها، أسيرة دوائر التخلف، وتكالب عليها نوعان من العدوان: عدوان خارجي وعدوان داخلي. فالعدوان الخارجي لا يرغب في نهضتنا، بل يسعى إلى إبقائنا تابعين وسوقًا استهلاكية لمنتجاته. أما العدوان الداخلي فيتمثل في سوء الإدارة وضعف الإرادة في بناء إنسان صالح، مثقف، واعٍ، قادر على الإسهام في بناء وطنه، بل إن بعض السياسات قد أسهمت – بقصد أو بغير قصد – في إضعاف هذا المسار.
وفي هذا السياق تروى قصة معبرة من تاريخ الصين القديمة؛ فقد قرر الصينيون بناء سور الصين العظيم ليحتموا به من الغزوات، معتقدين أن ارتفاعه وضخامته سيجعلان اختراقه أمرًا مستحيلًا. غير أن الصين تعرّضت خلال المائة عام الأولى بعد بنائه لثلاثة غزوات كبرى. والمفارقة أن الجيوش الغازية لم تكن بحاجة إلى تسلق السور أو اختراقه، بل كانت ببساطة ترشي الحراس ليفتحوا لهم الأبواب. لقد انشغل الصينيون ببناء السور، لكنهم غفلوا عن بناء الإنسان الذي يحرسه. وهكذا يتأكد الدرس التاريخي: إن بناء الإنسان يسبق بناء الجدران والمؤسسات.
وإذا تأملنا واقعنا، وجدنا أن كثيرًا من ثرواتنا قد أُهدرت بسبب الفساد والرشوة، وهي ظواهر ترتبط في جوهرها بضعف التربية والتعليم، أي بضعف بناء الإنسان. ويشير بعض المفكرين إلى أن هدم حضارة أي أمة يمكن أن يتم عبر ثلاث وسائل رئيسية:
هدم الأسرة.
هدم التعليم.
إسقاط القدوات والمرجعيات.
فإذا أردت هدم الأسرة، فعليك بإضعاف دور الأم، وجعلها تشعر بالخجل من رسالتها كربة بيت ومربية للأجيال. وإذا أردت هدم التعليم، فعليك بتهميش المعلم وتقليل مكانته الاجتماعية حتى يفقد احترام طلابه. أما إذا أردت إسقاط القدوات، فعليك بالطعن في العلماء والتشكيك فيهم حتى يفقد المجتمع ثقته بهم. وعندئذٍ، حين تختفي الأم الواعية، ويتراجع المعلم المخلص، وتسقط المرجعيات الفكرية والأخلاقية، فمن الذي سيغرس القيم في نفوس الأجيال؟
لقد قيل قديمًا: وراء كل عظيم امرأة، وقيل أيضًا:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبًا طيب الأعراق
كما يقال إن تعليم رجل واحد يعني تعليم إنسان، أما تعليم امرأة فيعني تعليم أمة بأكملها. ومن هنا تتجلى الأهمية الكبرى لتعليم النساء وتمكينهن، لأنهن شريكات أساسيات في صناعة الأجيال.
غير أن الواقع يدفعنا إلى التساؤل بمرارة:
ألم يتراجع حضور الأم الواعية في مجتمعاتنا؟
ألم يفقد المعلم المخلص مكانته وهيبته في نظر كثيرين؟
ألم تتعرض القدوات الفكرية والعلمية للتهميش والتشكيك؟
إن هذه التساؤلات تكشف بوضوح أن إصلاح المجتمعات يبدأ من إعادة الاعتبار لبناء الإنسان، ولا سيما عبر التعليم والتربية. لذلك فإن الواجب يحتم علينا جميعًا أن نسهم، كلٌّ بحسب قدرته ومجاله، في الاستثمار في الإنسان، وبخاصة في تعليم النساء وتمكينهن، لما لذلك من أثر عميق في نهضة المجتمعات.
فلنكن – أيها الإخوة الكرام – كالمطر، أينما نزل نفع، ولنترك أثرًا طيبًا وبصمة نافعة في هذه الحياة. ولنجعل هموم أمتنا فوق همومنا الشخصية، ولنكن كالشعلة التي تحترق لتضيء الطريق للآخرين.
ويقول الشاعر مصطفى حمام:
قال صحبي نراك تشكو جروحًا
أين لحن الرضا رخيما جميلا
قلت أما جروح نفسي فقد
عودتها بلسم الرضا لتزولا
غير أن السكوت عن جرح قومي
ليس إلا التقاعس المرذولا
لست أرضى لأمة أنبتتني
خلقًا شائهًا وقدرًا ضئيلا
لست أرضى تقاطعًا أو تحاسدًا
لست أرضى تخاذلًا أو خمولًا
أنا أبغي لها الكرامة والمجد
وسيفًا على العدى مسلولا
علمتني الحياة أني إن عشت لنفسي
عش حقيرًا هزيلا
علمتني الحياة أني مهما
أتعلم فلا أزال جهولا
وفي الختام، يبقى الأمل معقودًا على وعي الإنسان وإرادته في الإصلاح، فبناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لكل نهضة حضارية، وهو الطريق الذي لا بديل عنه لمن أراد مستقبلًا أفضل لأمته.
والله ولي التوفيق، وما أريد إلا الإصلاح.
محمد محمود محمد فال









