القوة البحرية الأمريكية: من نظرية ماهان إلى عصر حاملات فورد

في عام 1890 نشر الضابط والمؤرخ العسكري الأمريكي ألفريد ماهان كتابه المؤسس «تأثير القوة البحرية على التاريخ: 1660–1783»، واضعًا الإطار النظري لفكرة الهيمنة عبر البحار. وانطلقت أطروحته من أن حسم الصراع البحري عبر معارك فاصلة يفضي إلى السيطرة على طرق الملاحة، ومن ثم ترسيخ موقع مهيمن عالميًا. وقد تركت هذه الرؤية أثرًا عميقًا في التفكير الإستراتيجي الأمريكي، إذ رسخت قناعة مفادها أن التحكم بالمحيطات شرط لحماية المصالح وتوسيع النفوذ.
تغطي المحيطات أكثر من ثلثي سطح الأرض، ما يمنح الولايات المتحدة ميزة جيوسياسية فريدة؛ فهي قادرة على إسقاط قوتها العسكرية نحو سواحل بعيدة دون الارتهان لقواعد برية دائمة، وفي الوقت ذاته حرمان الخصوم من استخدام الفضاء البحري ضدها. ووفق تقرير «أساسيات الدفاع: الجغرافيا والإستراتيجية وتصميم القوات الأمريكية» الصادر عن الكونغرس، وفّرت هذه المعادلة أفضلية طويلة الأمد لدولة تفصلها البحار عن أبرز منافسيها.
حاملات الطائرات… عماد الانتشار والردع
انطلاقًا من هذه الرؤية، تمحور تنظيم الأسطول الأمريكي حول حاملات الطائرات. فعدد الحاملات يحدد حجم مجموعات القتال المصاحبة لها، والتي تضم الطرادات والمدمرات وسفن الدعم والأجنحة الجوية. وفي زمن السلم، تبنّت البحرية سياسة الانتشار الأمامي الدوري لمجموعات الحاملات الضاربة بهدف ردع الخصوم، وطمأنة الحلفاء، وضمان الاستجابة السريعة للأزمات.
تمثل حاملة الطائرات منصة هجومية إستراتيجية قادرة على تنفيذ ضربات ضد أهداف برية وبحرية وجوية عبر عشرات الطائرات المقاتلة، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية. وعلى عكس الضربات المنطلقة من قواعد برية، يتيح الانتشار البحري استخدام المجال الدولي المفتوح دون قيود سياسية مباشرة، مع قدرة على تهديد العمق الحيوي للخصم.
وقد استخدمت الولايات المتحدة حاملاتها في عمليات عسكرية مباشرة، من بينها عملية «العزم المطلق» في يناير/كانون الثاني 2026 التي دعمتها الحاملة USS Gerald R. Ford، قبل أن تُوجَّه لاحقًا إلى المتوسط للانضمام إلى الحاملة USS Abraham Lincoln في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
تُعد «جيرالد فورد» أحدث وأكبر حاملات الطائرات الأمريكية بإزاحة تقارب 100 ألف طن، ودخلت الخدمة عام 2017 بكلفة قاربت 13.5 مليار دولار، وتحمل الرمز (CVN-78) الدال على الدفع النووي وتسلسلها التاريخي.
لانغلي… البدايات الأولى للطيران البحري
يستدعي فهم تطور الحاملات العودة إلى البدايات الأولى لفكرة تشغيل الطائرات من البحر. ففي كتاب «أول حاملة طائرات أمريكية» تناول الباحث ديفيد وينكلر نشأة المفهوم، موضحًا أن الحرب العالمية الأولى مثّلت أول اختبار عملي للطيران البحري.
دخلت السفينة USS Langley الخدمة عام 1922 كأول حاملة طائرات أمريكية، بعد تحويل سفينة الفحم «جوبيتر» إلى منصة إطلاق واستعادة للطائرات. وأسهمت في تطوير إجراءات الإقلاع والهبوط وتدريب الطيارين، رغم الحوادث المتكررة في سنواتها الأولى.
وتزامن تطورها مع جدل مؤسسي بين أنصار سلاح الجو وأنصار البحرية، حسمه الكونغرس عام 1922 بإقرار بناء حاملات أكبر مثل USS Lexington وUSS Saratoga، اللتين لعبتا دورًا بارزًا لاحقًا في الحرب العالمية الثانية.
من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة
بعد الحرب العالمية الثانية، أعيد تشكيل البحرية الأمريكية حول الحاملات باعتبارها مركز ثقلها القتالي. وأثبتت حرب كوريا أن الطيران المنطلق من البحر يمكن أن يكون المصدر الجوي الحاسم عند سقوط القواعد البرية.
شهدت حقبة الحرب الباردة دخول أول حاملة نووية، USS Enterprise، إلى الخدمة عام 1961، تلتها الحاملة USS Nimitz عام 1975، ما عزز قدرة الأسطول على العمل في بيئات تهديد مرتفعة، خصوصًا في مواجهة الاتحاد السوفياتي.
من كارتر إلى ريغان… جدل التكلفة والانتشار
خلال إدارة جيمي كارتر، طُرحت تساؤلات حول جدوى الحاملات وكلفتها المرتفعة، وتم إلغاء تمويل حاملة نووية إضافية. غير أن التطورات الإقليمية، وفي مقدمتها الثورة الإيرانية والتدخل السوفياتي في أفغانستان، أعادت التأكيد على أهمية الوجود البحري المتقدم.
مع وصول رونالد ريغان، تبنّت الولايات المتحدة سياسة توسع بحري ضمن مبادرة «بحرية الـ600 سفينة»، فارتفع عدد الحاملات إلى 15، وتكرّس معيار «3 إلى 1» لضمان الجاهزية الدائمة.
وفي عهد جورج بوش الأب، ومع نهاية الحرب الباردة، اتجهت السياسة الدفاعية إلى تقليص الحجم الإجمالي للقوات، لكن الحاملات احتفظت بمكانتها كأداة رئيسية لإدارة النزاعات الإقليمية.
عصر فورد… الجيل الجديد من الحاملات
يمثل برنامج فئة فورد الجيل الأحدث من حاملات الطائرات الأمريكية. يحتفظ التصميم بالهيكل العام لفئة نيميتز، لكنه يتضمن تعديلات جوهرية، من بينها نظام الإقلاع الكهرومغناطيسي ومصاعد ذخيرة متقدمة وزيادة القدرة الكهربائية، بما يسمح بزيادة معدل الطلعات وتقليل الطاقم وخفض تكاليف التشغيل على مدى خمسين عامًا.
ورغم تجاوزات الكلفة والتأخيرات التقنية، ترى البحرية أن مزايا الدفع النووي من حيث المدى والاستقلالية التشغيلية تبرر الاستمرار في بناء هذا الطراز.
هل يمكن إغراق حاملة طائرات؟
تحمل كل حاملة جناحًا جويًا متعدد المهام يضم أكثر من 60 طائرة، بينها مقاتلات «إف/إيه-18 سوبر هورنت» و«إف-35 سي»، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية. ويعتمد الدفاع عن مجموعة الحاملة على تكامل الجناح الجوي مع سفن مرافقة مزودة بنظام «أيجيس» للدفاع الصاروخي.
يمثل فقدان حاملة طائرات خسارة بشرية وإستراتيجية جسيمة، إذ يقترب عدد أفراد طاقمها من خمسة آلاف. ومع ذلك، أظهرت الخبرة التاريخية قدرة هذه السفن على الصمود. فقد تعرضت الحاملة USS Franklin خلال الحرب العالمية الثانية لأضرار جسيمة وخسائر بشرية كبيرة، لكنها لم تغرق وتمكنت من العودة بقوتها الذاتية. كما واصلت الحاملة USS Enterprise عملياتها في فيتنام بعد انفجارات ضخمة على متنها.
وبينما تتطور التهديدات من صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيّرة، تبقى حاملة الطائرات حجر الزاوية في العقيدة البحرية الأمريكية، بوصفها أداة ردع، ومنصة إسقاط قوة، ورمزًا ماديًا لحضور الولايات المتحدة في البحار المفتوحة.









