البنوك الموريتانية وقروض الموظفين العسكريين: هل آن أوان مراجعة معايير التمويل؟

يثير ملف تمويل الموظفين، ولا سيما أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن، تساؤلات متزايدة حول طبيعة العلاقة التي تربط البنوك الموريتانية بهذه الفئة التي تضطلع بمسؤوليات وطنية جسيمة. فبينما تعلن معظم البنوك استعدادها لتقديم القروض للعسكريين بمختلف رتبهم، يرى كثير من المنتسبين للمؤسسة العسكرية أن الواقع العملي لا يعكس تلك الإعلانات، وأن الإجراءات المتبعة غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا وتشددًا مقارنة بفئات أخرى من الموظفين.
ويؤكد عدد من العسكريين أن رحلة الحصول على قرض قد تمتد لأشهر طويلة، حتى بعد استكمال جميع الوثائق المطلوبة والتوقيع على العقود الأولية، إذ قد يُطلب منهم الخضوع لمراجعات إضافية أو إعادة التحقق من ملفاتهم الائتمانية في مراحل متأخرة، الأمر الذي يطيل أمد الإجراءات ويؤخر صرف التمويل دون مبررات واضحة بالنسبة لهم.
ومن أبرز النقاط التي يثيرها العسكريون محدودية سقف التمويل الممنوح، خاصة للجنود وضباط الصف، حيث لا تتجاوز القروض في كثير من الحالات مبالغ يعتبرونها غير كافية لإنجاز مشروع إنتاجي أو اقتناء مسكن أو تلبية الاحتياجات الأساسية. كما يشيرون إلى أن تحسين سقف القرض قد يتطلب سنوات من الانتظار وسجلًا طويلًا من التعامل مع البنك، وهو ما يرونه عائقًا أمام الاستفادة الحقيقية من الخدمات المصرفية.
وفي المقابل، يلاحظ كثير من الموظفين وجود تفاوت في مدد السداد وسقوف التمويل بين بعض الفئات المدنية والعسكرية، وهو ما يدفع إلى المطالبة بمراجعة معايير منح القروض بما يضمن العدالة والشفافية، ويجعل الجدارة الائتمانية والقدرة على السداد هي الأساس في اتخاذ القرار، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
ولا ينكر أحد أن البنوك من حقها حماية أموال المودعين وإدارة المخاطر الائتمانية وفق الضوابط المصرفية، خصوصًا في الحالات التي شهدت تعثرًا في السداد أو خروج بعض المقترضين من الخدمة. غير أن تعميم هذه المخاطر على جميع العسكريين لا يبدو منصفًا، فالغالبية العظمى منهم يواصلون أداء واجبهم الوطني في مختلف أنحاء البلاد، ويستحقون معاملة مصرفية عادلة تراعي استقرار وظائفهم وانتظام رواتبهم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوار جاد بين المؤسسة العسكرية والبنوك التجارية، برعاية البنك المركزي الموريتاني، لوضع إطار واضح وموحد ينظم تمويل العسكريين، ويحقق التوازن بين حماية القطاع المصرفي وضمان حق أفراد القوات المسلحة في الوصول إلى التمويل بشروط عادلة وإجراءات شفافة.
كما تتعالى الأصوات المطالبة بتعزيز الرقابة على آليات منح القروض، والتأكد من احترام التعليمات المنظمة للتمويل، وترسيخ مبادئ المساواة بين جميع الموظفين، والتحقيق في أي شكاوى تتعلق بالمحاباة أو استغلال النفوذ أو طلب منافع غير مشروعة، إن ثبت وجودها، لأن مثل هذه الممارسات – إن وقعت – تقوض الثقة في المنظومة المصرفية وتسيء إلى سمعتها.
إن العسكري الذي يقف على الحدود ويحمي أمن الوطن لا يطلب امتيازًا استثنائيًا، بل يطمح إلى معاملة عادلة تضمن له فرصة الحصول على تمويل يساعده على مواجهة أعباء الحياة، تمامًا كما هو الحال بالنسبة لبقية الموظفين. فالعدالة في التمويل ليست منحة، وإنما هي ركيزة من ركائز الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية.
لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني مسؤول حول سياسات الإقراض في موريتانيا، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات العمل المصرفي وحقوق الموظفين المدنيين والعسكريين، ويضع حدًا لأي ممارسات قد تؤدي إلى الشعور بالتمييز أو الإجحاف، فاستقرار الموظف اقتصاديًا ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمع والدولة بأكملها.









