صحة

وسائل التواصل وصورة الجسد.. كيف تؤثر المقارنات الرقمية على العلاقات العاطفية؟

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه أو مشاركة الصور والمقاطع القصيرة، بل تحولت لدى كثيرين إلى مرآة يومية يقيسون عبرها شكلهم وحياتهم وعلاقاتهم بالآخرين.

ومع الانتشار الواسع لمحتوى المشاهير وصناع المحتوى الذين يستعرضون أجسادا رياضية وصورا معدلة بعناية باستخدام الفلاتر وتقنيات التجميل الرقمية، بدأ عدد متزايد من المستخدمين ينظرون إلى أجسادهم بقلق أكبر ورضا أقل.

ولا يبقى هذا القلق محصورا في العلاقة بين الشخص ومرآته، بل يمتد أحيانا إلى علاقته بشريك حياته، مؤثرا في الثقة بالنفس، والاطمئنان العاطفي، والرضا الزوجي، وحتى جودة العلاقة الحميمة.

وتعرف هيئة الخدمات الصحية البريطانية NHS “صورة الجسد” بأنها الطريقة التي يفكر بها الإنسان في جسده ويشعر بها تجاهه، أو الكيفية التي يعتقد أن الآخرين يرونه بها، وهي قد تكون إيجابية أو سلبية أو محايدة.

وبحسب مراجعة تحليلية نشرتها مجلة Journal of Social and Personal Relationships عام 2022، فإن الأشخاص الذين يعانون من عدم الرضا عن أجسادهم غالبا ما يعبّرون عن رضا أقل عن علاقاتهم العاطفية أو الزوجية، بينما يرتبط الشعور الإيجابي تجاه الجسد بدرجات أعلى من الرضا والاستقرار العاطفي.

وأظهرت الدراسة أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم لدى بعض الأفراد قد يرتبط بزيادة احتمالات عدم الرضا عن صورة الجسد، وهو ما ينعكس بدوره على الشعور بالأمان داخل العلاقة.

كما أشارت أبحاث نشرتها American Psychological Association إلى أن الرضا داخل الزواج لا يتشكل بشكل فردي فقط، بل هو عملية مشتركة تتأثر بثقة كل طرف بنفسه ومظهره وطريقة تفاعله مع شريكه.

وفي الجانب الحميم من العلاقة، أوضحت دراسة نشرتها Elsevier عام 2020 وجود ارتباط بين اضطرابات صورة الجسد وصعوبات تتعلق بالرضا الجنسي والنشوة أثناء العلاقة الزوجية، في حين خلصت مراجعة حديثة نشرتها Springer Nature عام 2026 إلى أن تقدير الذات وصورة الجسد يرتبطان إيجابيا بالرضا الجنسي لدى البالغين.

ومع صعود ثقافة “الجسد المثالي” على المنصات الرقمية، يحذر مختصون من أن المقارنات المستمرة مع الصور المعدلة قد تدفع البعض إلى الشعور بأن أجسادهم بحاجة دائمة إلى “إصلاح” أو تغيير، خاصة مع الانتشار الواسع للفلاتر التي تغير ملامح الوجه والبشرة وتقدم نسخا رقمية مثالية بعيدة عن الواقع.

وفي دراسة نشرتها منصة ScienceDirect، تبين أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بزيادة الصورة السلبية عن الجسم، وأن هذا التأثير قد يتفاقم بمرور الوقت نتيجة المقارنات المستمرة بالمحتوى المثالي المعروض.

كما ظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة تعرف باسم “ديسمورفيا سناب شات”، وهي حالة من الانشغال المفرط بعيوب بسيطة أو متخيلة في المظهر بسبب الرغبة في التشبه بالصور المعدلة رقميا، ما قد يؤثر في الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية والعاطفية.

وترى الدكتورة رانيا قاسم أن وسائل التواصل لا تكون سلبية دائما، إذ يمكن أن تدفع البعض للاهتمام بصحتهم وممارسة الرياضة وتحسين نمط حياتهم، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المقارنات إلى ضغط نفسي أو هوس بالمظهر.

وتؤكد أن بناء الثقة بالنفس يبدأ منذ الطفولة عبر تجنب التنمر والمقارنات السلبية، وتشجيع الأطفال على تنمية مهاراتهم وشخصياتهم بعيدا عن اختزال قيمتهم في الشكل الخارجي فقط.

وتشير دراسات في Journal of Social and Clinical Psychology إلى أن اضطرابات صورة الجسد ترتبط أيضا بالقلق الاجتماعي والخوف من العلاقة الحميمة، إذ قد يشعر الشخص بالخوف من التقييم أو الرفض، ما يدفعه أحيانا إلى الانسحاب العاطفي أو الحساسية المفرطة تجاه الشريك.

وفي ظل هذا الواقع الرقمي المتسارع، تبدو الحاجة أكبر إلى تعزيز الوعي بأن الصور المتداولة على المنصات ليست دائما انعكاسا حقيقيا للواقع، وأن العلاقات الصحية لا تقوم على المقارنات الشكلية، بل على القبول والثقة والتواصل الإنساني الحقيقي.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى