فضاء الرأي

حين تتداخل الحدود: بين سيادة الدولة وضرورة التعايش

في الجغرافيا السياسية، ليست كل الحدود خطوطًا فاصلة بقدر ما هي مناطق تماسٍّ معقّدة، تتشابك فيها السيادة مع الواقع الاجتماعي، وتتصادم فيها النصوص القانونية مع حقائق التاريخ. وما جرى اليوم على الشريط الحدودي بين موريتانيا ومالي ليس مجرد حادث أمني عابر، بل هو تجلٍّ حيٌّ لإشكالية أعمق: إشكالية “الحدود المتداخلة” التي لم تنجح الخرائط الاستعمارية في حسمها، ولا الاتفاقيات الثنائية في احتوائها بشكل نهائي.

حتى وقت قريب، ظلّ تحرّك الجيش المالي محصورًا داخل نطاقه الترابي، وفق تفاهمات غير مكتوبة أحيانًا، ومعلنة أحيانًا أخرى، تراعي خصوصية تلك المناطق الحدودية التي تكاد تكون موريتانية في كل شيء: سكانًا، وأنماط عيش، وخدمات، وحتى ارتباطًا إداريًا في بعض الجوانب. وهي وضعية ليست استثناءً في العالم، بل تتكرر في مناطق عدة حيث تتقدّم “الهوية الاجتماعية” على “الهوية السيادية”.

غير أن ما حدث اليوم مثّل قفزة خارج هذا الإطار، حين أقدمت وحدة عسكرية مالية على استهداف منشآت اتصالات خاضعة للسيادة الموريتانية، في خطوة لا يمكن توصيفها إلا باعتبارها تجاوزًا صريحًا للتفاهمات القائمة، ومسًّا مباشرًا بالممتلكات العمومية. وهو تصرّف يضع أكثر من علامة استفهام حول ترتيب الأولويات لدى السلطات المالية، في وقت تواجه فيه تحديات أمنية جسيمة داخل أراضيها.

لقد كان الرد الموريتاني، ميدانيًا، محسوبًا ودقيقًا: حزمٌ دون تهوّر، وسيطرةٌ دون تصعيد، وانتهى الأمر بإيصال رسالة واضحة مفادها أن الصبر الاستراتيجي لا يعني التفريط، وأن احترام الجوار لا يعني القبول بالأمر الواقع.

لكن، لفهم أعمق لما يجري، ينبغي النظر إلى نماذج مشابهة في العالم. فمثلًا، في المنطقة الحدودية بين الهند وبنغلاديش، ظلت لسنوات طويلة توجد “جيوب” متداخلة (Enclaves) يعيش فيها مواطنون من دولة داخل أراضي دولة أخرى، في وضع إنساني وقانوني شديد التعقيد، قبل أن يتم حل الإشكال باتفاق تاريخي سنة 2015. وكذلك الحال في بعض المناطق بين فرنسا وإسبانيا، حيث تتقاسم الدولتان إدارة مناطق رعوية وفق أعراف تعود إلى قرون، تتجاوز مفهوم السيادة الصارم لصالح منطق التعايش.

وفي إفريقيا، لا يخفى أن كثيرًا من الحدود رُسمت بخطوط مستقيمة على الورق، دون اعتبار للامتدادات القبلية والثقافية، وهو ما جعل مناطق بأكملها تعيش واقع “الانتماء المزدوج”، كما هو الحال في الشريط الحدودي بين موريتانيا ومالي.

من هنا، فإن التعاطي مع هذه المناطق لا يمكن أن يكون أمنيًا صرفًا، ولا سياديًا جامدًا، بل يتطلب مقاربة مركّبة تقوم على:

  • احترام السيادة الوطنية دون استفزاز
  • الحفاظ على مصالح السكان المحليين
  • تفعيل آليات التنسيق المشترك
  • وتغليب منطق التهدئة على حساب ردود الفعل المتسرعة

إن الرسالة التي ينبغي أن تُفهم جيدًا هي أن الجغرافيا قد تفرض التداخل، لكن الحكمة وحدها تضمن الاستقرار. فالحرب مع الجار، مهما كانت مبرراتها، تظل خسارة استراتيجية للطرفين، بينما يظل التعايش – ولو كان معقدًا – خيارًا أقل كلفة وأكثر استدامة.

وفي الأخير، تبقى مسؤولية الدولتين، موريتانيا ومالي، أن تحوّلا هذا التداخل من مصدر توتر إلى نموذج للتعاون، وأن تدركا أن حماية الحدود لا تعني فقط حمايتها من الخارج، بل أيضًا حمايتها من سوء التقدير.

حفظ الله موريتانيا، وصان استقرارها، وفرّج عن الشعب المالي الشقيق محنته، وجعل من الحكمة جسرًا يعبر به الجميع نحو مستقبل أكثر أمانًا.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى